الكلمة وقعت على قلبي زي غيث نزل على أرض عطشانة بتشقق الي بصوت هادي بس كله هيبة وثبات: “امسحي دموعك يا بت عمي، واجمعي حاجتك كلها في شنطتك وماتسيبيش وراكي قشاية واحدة.. نص ساعة وتكون رجلي عتبة البيت عندك، واللي له عليكي حق ياخده من رقبتي، واللي داس ليكي على طرف حسابه معايا أنا.”
قفلت الخط، ولأول مرة من شهور أحس إن رجلي شيلاني بجد، مش كأني خيال مآتة ماشي في الدنيا تايه. قمت على حيلي ومسحت دموعي بكم قميص المدرسة، وجريت على الدولاب. طلعت شنطة السفر الصغيرة ولميت فيها كتبي وهدومي وكل حاجة تفكرني بريحة أبويا؛ ساعته القديمة، نظارته، وشهادة وفاته اللي كنت دايماً شايلاها تحت مخدتي. فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة، كانت خالتي لسه قاعدة على الكنبة وماسكة التليفون الأرضي بترغي وبتضحك بصوت عالي: “أيوه يا أم مدحت، أهي بنتها طالعة من الأوضة ومبوزة كالعادة، تلاقيها بتتدلع على أكل العيش اللي بيتبعتلها.. أختي رمتلي البلوة دي وشايلة همها على كتافي.”
أول ما شافت الشنطة في إيدي، سكتت فجأة ونزلت السماعة وقامت وقفت مبرقة: “إيه ده يا بت؟ إيه الشنطة دي ورايحة على فين في وقت زي ده؟ اتجننتي ولا إيه؟” رديت عليها بصوت هادي وثابت، صوت مستغرباه من نفسي: “أنا ماشية يا خالتي.. رايحة لأهلي وناسي.” ضحكت بسخرية وصوتها علي: “أهلك؟ وناس مين يا حيلتها؟ هو انتي ليكي حد غير أمك اللي بايعاكي وأنا اللي مستحملاكي؟ ادخلي جوة بلاش مسخرة بدل ما أكلم أمك أخليها تقطع عنك القرشين!”
وقبل ما أرد، اتهزت العمارة كلها بصوت خطوات تقيلة وثابتة طالعة على السلم، خطوات مش لواحد طالع متردد، دي خطوات راجل صاحب حق. وفجأة، رن جرس الباب رنة حاسمة وقوية وراها خبطتين على الخشب برجولة هزت أركان الشقة. خالتي رجعت خطوة لورا بخوف: “مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟” فتحت الباب.. ووقفت مذهولة. كان ابن عمي “منصور”، بطوله الفارع، وجلابيته الصعيدي وشاله وعمامته اللي تملى العين، ملامحه سمرا وحادة زي الصقر، وعينيه بتقد شرار غضب يخلي الجبل يتهد، وجنبه اتنين من رجالة العيلة لابسين زيه وواقفين في ضهره زي الحيطة السد.
أول ما عينه جت في عيني، ملامحه هديت ونزل لمستوايا ومد إيده الطيبة يمسح دمعة كانت نزلت غصب عني وقال بصوت تقيل يملى المكان: “حقك عليا أنا يا بت الغالي.. إحنا اللي قصرنا وفرطنا في لحمنا وسيبناكي للغريب، بس النهاردة خلصت الغربة.” خالتي وقفت تتأتأ ووشها جاب ألوان: “مـ.. مين حضرتك؟ وجاي هنا ليه وبتخبط كده إزاي؟”
منصور دخل خطوة واحدة جوة الصالة، هيبته خلت الصالة كلها تصغر، وبصلها ببرود يقطع النفس: “أنا منصور الشريف.. ابن عم المرحوم، وولي دم البنت دي وعصبها. جايبين وراها رجالة وبلد بحالها ما يقدرش حد يكسرلها كلمة. أختك اتجوزت وراحت لحالها؟ حقها شرعاً، لكن بنتنا مالهاش قعاد هنا بعد النهاردة.” خالتي حاولت تبان قوية فقالت بصوت مرتعش: “بس أمها هي اللي موكلاني بيها وبتبعت مصروفها، مينفعش تاخدوها كده!”
منصور حط إيده في جيبه وطلع رزمة فلوس رماها على الترابيزة وقال بصوت يرعد في الشقة: “الفلوس دي تمن كل لقمة دخلت بطن البنت دي من يوم ما أبوها مات لحد اللحظة دي وزيادة، عشان ما يبقاش ليكي عند عيلة الشريف جميل ولا فضل. بنتنا ملهاش حتة تانية تتقفل عليها أبواب غير بيوت أهلها.” لف وشه ليا وبص للشنطة وقال: “حاجتك كلها معاكي؟” هزيت راسي وقولت: “أيوه.” شاور لواحد من الرجالة يشيل الشنطة، ومسك إيدي في إيده.. إيد قوية ودافية، حسيت أول ما لمستها إن روحي بترجعلي، وإن أبويا ما ماتش، وإن السند لسه موجود وماتكسرش.
واحنا نازلين السلم، فتحت جارتنا اللي زعقتلي الباب عشان تشوف الدوشة، وجوزها وراها. أول ما شافت منصور والرجالة اللي معاه وهيبتهم، وشهقت ورجعت لورا برعب. منصور وقف قصاد بابها، وبصلها بنظرة خلت الأرض تدور بيها، وقال لجوزها بصوت جهوري سمعه كل سكان العمارة اللي كانوا بيتلصصوا من ورا الأبواب:
“يا أستاذ.. لم حريمك وخليها تعرف إن البنت دي مش مقطوعة من شجرة، ولا هي ملطشة لحد.. دي حتة من عيلة تفرم اللي يقرب منها تحت حوافر الخيل. المرة دي عديتها احتراما لبيتك، لكن لو سمعت إن حد جاب سيرتها ولا سيرة المرحوم بنص كلمة.. قسماً برب العزة هد العمارة دي فوق روسكم!” الراجل كان وشه أصفر ولسانه عاجز، والست جريت استخبت جوة وقفلت الباب من خوفها.
نزلت من العمارة وراسي مرفوعة لفوق لأول مرة من سنين. ركبنا العربية الضخمة اللي كانت مستنية تحت، وطول الطريق وأنا باصة من الشباك، شفت القاهرة بتصغر ورانا، وكل الوجع والإهانة والذل اللي عشته كان بيدوب مع كل كيلومتر بنبعده. وصلنا بلدنا في الصعيد مع أذان المغرب.. دخلنا بيت العيلة الكبير، قصر عالي بيبان واسعة وريحة خير بتفحفح من كل مكان. استقبلتني مرات عمي وبنات عيلتي بالأحضان والزغاريد والدموع، وكأني كنت غايبة ورجعت لح.ضنهم. مرات عمي خدتني في ح.ضنها وقالتلي: “نورتي مطرحك يا ضنايا.. ده بيتك ومطرح أبوكي، ومحدش يقدر ينقصك لقمة ولا كلمة من النهاردة ورايح.”
مرت السنين وأنا وسط أهلي وناسي معززة مكرمة. كملت ثانويتي العامة وكنت بذاكر وفي ضهري منصور اللي مكنش بيخليني محتاجة قلم، ولا بيسمح لأي حاجة تشغل بالي غير مستقبلي. جبت مجموع كبير ودخلت كلية الصيدلة، ورفعت راسهم زي ما رفعوا راسي وصانوا لحم أبويا. أما أمي.. فعرفت بعد فتره إن جوزها ضحك عليها وأخد فلوسها وطردها، وحاولت تتصل وترجع تتودد، بس ساعتها كانت المشاعر خلاص ماتت، كنت ببرها بالسؤال من بعيد لله وللشرع، بس عمري ما نسيت إن اللي رماني وأنا يتيمة وضعيفة ملوش مكان في قلبي وقت العزوة والقوة.
أدركت وقتها إن اليتيم مش اللي بيمو.ت أبوه وبس، اليتيم هو اللي بيتخلى عنه أهله ويسيبوه للدنيا.. وإن الوجع مهما طال، ربنا بيبعت في اللحظة المناسبة السند اللي يمسح الحزن ويرد الحق لأصحابه.