“أمي.. اعمليلي سمك مشوي!”.. الجملة التي أنقذت حياة دكتورة من المـ,ـوت في الصعيد! الحاجة فاطمة كانت قاعدة في بلكونة بيتها في القاهرة، ماسكة سبحتها وإيدها التانية بتترعش وهي حاطة التليفون على ودنها. صوت الرنين كان بيكرر للمرة العشرين: “عفواً، المشترك لا يجيب”. سنتين فاتوا من يوم ما نور، بنتها الوحيدة والدكتورة الرقيقة، اتجوزت همام. همام كان من عيلة كبيرة وله هيبة في إحدى قرى الصعيد (مركز أبنوب في أسيوط). في الأول كانت الأمور ماشية تمام، مكالمات يومية، وزيارات كل كام شهر. بس بقالها أسبوعين كاملين.. نور اختفت!
لا مكالمات، ولا صور على الواتساب، والتليفون ياما مقفول، يا إما همام هو اللي يرد! رنت فاطمة تاني، والمرة دي همام رد.. بس نبرة صوته كانت باردة ومتوترة: “أهلاً يا حاجة فاطمة.. خير؟” الأم بنبرة صوت مخنوقة ومرعوبة: “خير يا همام يا بني؟ فين نور؟ بقالي أسبوعين مش عارفة أسمع صوتها! قلبي بياكلني عليها يا بني، حلمت بيها حلم وحش أوي البارحة!” همام اتنهد بزهق وقال بصوت ممطوط: “يا حاجة ما تقلقيش، نور كويسة.. بس الحمل تعبها شوية والدكتور ألكد عليها ترتاح.. هي نايمة دلوقتي، لما تصحى هخليها تكلمك.”
فاطمة بقلق زاد: “نايمة؟! كل ما أكلمك تقول لي نايمة وتعبانة! يا همام أنا أمها ومحتاجة أسمع صوتها حتى لو كلمة واحدة تطمني! صحيها يا بني معلش، قلبي مقفول!” همام بصوت حاد وسريع: “معلش يا حاجة، الصعيد حر والدنيا ليل وهي واخدة علاج بينيم.. مع السلامة دلوقتي.” وقفل السكة في وشها! هنا فاطمة اتجمدت مكانها.. همام عمره ما قفل السكة في وشها بالطريقة دي. فيه حاجة غلط، فيه مصيبة نور مستخبية وراها!
الجزء الثاني: المكالمة الأخيرة والإشارة المخبأة ما قدرتش فاطمة تنام طول الليل. قعدت تقرأ قرآن وتدعي، ومع طلوع الفجر، جربت ترن تاني.. وتالت.. وفي المرة الرابعة، التليفون فتح! بس الصوت اللي جه ما كانش همام.. كان صوت نفس ضعيف ومكتوم. “ألو.. أمي؟” فاطمة اتفضت من مكانها ودموعها نزلت: “نور! يا حبيبتي! انتي فين يا نور؟ جرالك إيه؟ جوزك ماله؟ بصوتك ماله تعبان ومخنوك كدة؟!” صوت نور كان بيترعش، وكان فيه في الخلفية صوت خطوات رجالية هادية وصوت نفس ثقيل بيقرب منها، كأن همام واقف فوق رأسها وبيراقب كل كلمة بتقولها.
نور بتتكلم بصوت بطيء وغريب، كأنها بتقرأ من الورقة أو مرعوبة: “أنا.. أنا كويسة يا أمي.. معلش همام خايف عليا عشان الحمل، والموبايل كان مفيش شبكة.. أنا كويسة والله.” الأم بحسها الفطري حسّت إن بنتها مش طبيعية: “نور.. انتي مجبورة على الكلام ده؟ همام جنبك؟” نور سكتت ثانية، ونبرة صوتها اتغيرت فجأة، وقالت بلهفة مزيفة وصوت متصنع: “أمي.. أنا بس نفسي أكل من إيدك أوي.. فاكرة لما كنتي بتعملي لي السمك المشوي بالثوم والكمون؟ أنا مشتاقة له أوي يا أمي! اعملي لي منه وهاتيه معاكي لما تيجي تزوريني، أنا بمـ,ـوت فيه وواحشني أوي!”
فاطمة أذنيها صوفرت، ودـ,ـمها اتجمد في عروقها! نور عندها حساسية مفرطة قـ,ـاتلة من السمك والثوم! من وهي طفلة لو شمت ريحة السمك زورها بيتقفل وبتروح المستشفى، وعمرها ما دخلت بيتها سمكة واحدة! نور بتديها “شفرة”! نور بتقولها: “أنا بمـ,ـوت.. تعالي لحقيني!” قبل ما فاطمة تنطق، سمعت صوت همام بياخد التليفون بحدة ويقول: “خلاص يا حاجة هي اتطمنت عليكي.. يلا سلام.”.. وتقفلت السكة! الجزء الثالث: رحلة الخوف والسر المكتوم فاطمة قامت زي المجنونة. لبست طرحتها وعبايتها بسرعة، وطلعت تجري على بيت أخوها حسين.
حسين راجل كبير، صعيدي الأصل بس عايش في القاهرة، أصوله شديدة، وبيحب نور زي بنته بالظبط. خبطت فاطمة على الباب بالهبل، فتح لها حسين وهو مخضوض: “فيه إيه يا فاطمة؟! مالك يا ختي عمالة تصرخي ع الصبح ليه؟!” فاطمة وهي بتبكي وبتمسك في هدومه: “دور العربية يا حسين! سوق بيا على أسيوط فوراً! بنتي بتضيع يا حسين.. همام عمل فيها حاجة!” حسين اندهش وقال: “يهديكِ يرضيكِ يا فاطمة! بالراحة، همام راجل محترم وابن ناس، إيه اللي حصل؟ اتخانقوا؟”
فاطمة بحسم وصراخ: “اسوق الأول يا حسين! مش هنتكلم هنا، في الطريق هحكيلك كل حاجة.. يرضى عليك يابن أبوي، بنتي في خطر!” نزل حسين بسرعة، شغل عربيتو النقل الصغيرة، وركبت فاطمة جنبه. وطول الطريق على الصحراوي الشرقي، كانت الإضاءة هادية وفاطمة عينيها على الشارع وقلبها بيتقطع. حسين بص لها وقال بجدية: “فهميني بقى يا فاطمة.. إيه اللي خليكي متأكدة كدة إن البنت في خطر؟” الجزء الرابع: اعتراف على الطريق الصحراوي
فتحت فاطمة القصة وهي بتعيط وتفتكر المكالمة: “نور كلمتني الصبح يا حسين.. كانت بتتكلم بصوت خايف ومحبوس، وقالتلي جملة واحدة كشفت لي كل حاجة!” حسين بفت انتباهه: “قالت لك إيه؟” “قالت لي اعملي لي ‘سمك مشوي بالثوم’ واجيبو معايا! انت عارف نور يا حسين؟ نور لو لمست السمك تبدأ تترعش وزورها يقفل وتقع من طولها! نور بتكره السمك أكتر من المـ,ـوت! لما تقول لي إنها بتمـ,ـوت فيه ومحتاجاه.. يبقى بتستغيث بيا يا حسين! بتعلم لي إشارة إنها محبوسة وبتمـ,ـوت فعلاً!”
حسين مسك دركسيون العربية بقوة، وعروق إيده برزت. الصدمة كانت كبيرة عليه، بدأ يربط الأحداث: “يعني ولد الـ… كان بيخدعنا طول الأسبوعين اللي فاتوا؟!” فاطمة كملت بانهيار: “همام كان واقف فوق رأسها وسامع كل كلمة! هي ما قدرتش تقول ‘أنقذوني’، فقالت لي السر اللي محدش يعرفه غيري أنا وهي! يا حسين، همام حابس البنت أو أذاها.. بسرعة يا حسين، امشِ أسرع!” حسين داس بنزين للاخر، ووشه اتغير تماماً من الراجل الهادي للراجل الصعيدي اللي دمه بيغلي. اتصل بالتليفون على واحد صاحبه من كبار العائلات في أسيوط وقال له بصوت حاسم:
“يا أبا الفضل.. أنا جاي على البلد دلوقتي، ومحتاج رجالتك معايا عند بيت همام.. فيه دم هيتغسل يا صاحب بكرة!” الجزء الخامس: الوصول إلى العتمة وصلت العربية لقرية همام بعد المغرب. الجو كان ظلام، والبيت عبارة عن سرايا قديمة وكبيرة محاطة بأسوار عالية في أطراف البلد. حسين نزل من العربية، ومعه عصايته الشوم الثقيلة، ووراه صاحبه أبا الفضل ومعاه أربعة رجال من الصعيد. فاطمة كانت ماشية وراهم ورجليها مش شايلاها من الخوف.
وصلوا لباب السرايا الكبير. حسين خبط بعصايته على الباب الحديد خبطات هزت الشارع كله! بعد دقائق، اتفتح الباب الصغير، وخرج همام.. كان شكله مجهد، ووشه أصفر، وأول ما شاف حسين وفاطمة، وشه اتغير واتخض بس حاول يتظاهر بالثبات: “عم حسين؟! حاجة فاطمة؟! خير يا جماعة؟ جايين في الوقت ده ليه ومبلغتنيش ليه؟!” حسين زق همام بكتفه ودخل السرايا بغضب: “فين نور يا همام؟!” همام حاول يمسك حسين من إيده: “يا عم حسين عيب الكلام ده! السرايا ليها حرمتها، ونور مراتي ونايمة جوة تعبانة، ما ينفعش تدخلوا كدة!”
فاطمة صرخت بوجهه: “أنا عايزة أشوف بنتي دلوقتي! لو نايمة صحيها! لو تعبانة نوديها المستشفى! نادِ على نور يا همام!” همام بنبرة حادة وصوت عالي عشان يرهبهم: “قلت لكم نور تعبانة ومش هتقدر تقابل حد! اتفضلوا في المضيفة الصبح نتكلم!” الجزء السادس: المواجهة واكتشاف السر الرهيب هنا حسين ما استحملش.. رفع عصايته وضـ,ـرب بيها همام في صدره رجعه لورا، وصرخ بصوت زلزل السرايا: “والله لو ما طلعتش بنتنا دلوقتي، لأكون شارب من دمك يا همام! بنتنا بعتت لنا الإشارة، وعرفنا إنك حابسها ومستغفلنا! فين نور؟!”
همام ارتبك وعينيه زُغلت، وصاحبه أبا الفضل ورجالته دخلوا وراه ومسكوا همام ودكتوه في الحيطة. فاطمة جريت جوة السرايا وهي بتنادي: “نور! يا نور! انتي فين يا بنتي?!” سمعت فاطمة صوت خبط ضعيف أوي جاي من تحت السلم الكبير بتاع السرايا.. صراخ خافت مكتوم بقطعة قماش! جريت فاطمة وحسين وراها، لقوا باب بدروم صلب مقفول بسلسلة وقفل ضخم! حسين بص لهما بغضب أعمى، واخد الفأس اللي كانت جنبه في الجنينة، وبدأ يضـ,ـرب على القفل بكل قوته.. ضـ,ـربة.. تانية.. تالتة! لحد ما القفل اتكسر!
فتحوا الباب.. والأم نزلت أفرع السلم وهي بتصرخ. جوة الضلمة.. كانت نور مربوطة في كرسي خشبي، وجهها شاحب جداً، شفتيها متقشرين من العطش، وعلى وشها وجسمها أثار ضـ,ـرب وكدمات زرقاء! فاطمة اترمت عليها وهي بتعيط بانهيار: “نور! يا حبيبتي يا بنتي! عمل فيكي إيه المجرم ده?!” الجزء السابع: الانتقام والنهاية الشافية حسين لما شاف منظر بنته المربوطة والمضـ,ـروبة، عقله طار. نزل البدروم، شال القماش من على بق نور، وقالت بصوت مكسور وهي بتعيط في أحضان أمها:
“حقاني يا أمي.. فهمتي قصدي! همام اكتشفت إنه متجوز عليا وعامل ديون باسمي، ولما هددته إني هبلغ أهلي، حبسني هنا بقاله أسبوعين وكان بيمـ,ـوتني جوع وعطش عشان أوقع له على تنازل عن شقتي وأرضي اللي باسمي!” حسين طلع من البدروم زي الأسد الجريح.. مسك همام من رقبته ونازل فيه ضـ,ـرب بيده وعصايته قدام أبا الفضل ورجالته، وهمام بيصرخ ويدور على حد ينجده، بس محدش من رجال البلد اتدخل لأن الصعايدة يعتبرون حجب الست وأذيتها غدر وخسة ملهاش أمان!
أبا الفضل قال لحسين: “سيبه يا حسين عشان ما تمـ,ـوتوش في إيدك وتضيع حقك.. القانون وهيبة العائلات هيجيبوا حقها.” طلبوا الشرطة فوراً، وجت المباحث وسجلت حالة نور، وتم نقلها للمستشفى في سيارة إسعاف وهي ماسكة في إيد أمها ومابتسيبهاش. تم القابض على همام بتهم الخطف، الاحتجاز بدون وجه حق، الشروع في القـ,ـتل، والاعتـ,ـداء الجسدي. بعد شهر.. نور رجعت للقاهرة مع أمها وخالها حسين، خفت جروحها الجسدية، ورفعت قضية طلاق للضرر وأخذت كل حقوقها بالقانون، وهمام اتأكم عليه بالسجن المشدد.
وفي يوم، كانت فاطمة ونور وحسين قاعدين في نفس البلكونة بالقاهرة.. فاطمة حطت قدام نور أكلة كفتة وفراخ، وبصت لبنتها وابتسمت وقالت: “يسلم لي عقلك اللي فكر في ‘السمك المشوي’ يا نور.. لولا إشارتك دي، كان زمان قلبي مكسور عليكي للابد.” نور ابتسمت واستندت على كتف أمها وقالت: “قلب الأم ما بيتخدعش يا أمي.. وأنا كنت عارفة إنك الوحيدة اللي هتفهميني من غير ما أتكلم.”