كانت الساعة تسعة بليل، والهدوء لفّ المطعم الشيك اللي كنت مجز فيه أحلى مفاجأة لخطيبتي سارة. كنا بنضحك وبنخطط لترتيبات الفرح اللي فاضل عليه أسبوعين بس. فجأة، سارة سكتت في نص الكلام! عينيها اتفتحت لآخرها برعب، وإيدها راحت لرقبتها وهي بتمسكها بترتعش. الضحكة اختفت في ثانية، ووشها أزرقّ. حاولت ألحقها، بس أغمى عليها ووقعت بجسمها كله على الترابيزة قدامي.. وقبل ما تروح خالص، هَمَست بصوت مقطوع وطالع بالعافية: “ماتصدقهمش… هي…”.
في المستشفى، الأطباء أعلنوا الوفـ,ـاة: “أزمة قلبية حادة ومفاجأة”. بس الصدمة الحقيقية مكنتش المـ,ـوت نفسه.. الصدمة كانت رد فعل أهلها! أبوها مانزلتش منه دمعة واحدة! كان واقف في آخر الطرقة بيتكلم في التليفون بيهمس بشر: “الخطة اتغيرت.. التخلص منهم لازم يتم الليلة”. وأمها كانت بتبصلي بصات غريبة ومريبة، مش بصات أم مكسورة على بنتها. والأغرب من كل ده، إنهم رفضوا تماماً وبنعرة غضب إن الجـ,ـثة تتشـ,ـرح، وأسرعوا في إجراءات الدفـ,ـن تاني يوم الصبح بدري، وكأنهم بيدفـ,ـنوا سر مرعوبين إنه يطلع للنور.
مادقتش النوم. كلمة سارة الأخيرة “ماتصدقهمش” كانت بتأكل في عقلي. في نص الليل، تسحبت ورحت شقة سارة بالمفتاح اللي معايا. أول ما دخلت لقيت الشقة مقلوبة رأس على عقب، كأن حد كان بيدور على حاجة بهستيريا. مشيت لغرفتها غريزياً، وفي الحمام، ورا المراية الكبيرة، لمحت حافة مش مضبوطة في الحيطة. زقيت المراية، ولقيت تجويف سري صغير! جوه التجويف ده، لقيت تليفون أسود غريب، وظرف أصفر. فتحت الظرف عشان أقع في ذهول ملوش آخر: شهادة ميلاد لتؤام متماثل، وصورة لسارة جنب بنت شبهها كربون.. بنت أنا عمرها ما اسمع عنها طوال سنتين خطوبة!
فجأة.. التليفون الأسود رن في إيدي. رديت وأنا حابس نفسي ومش بنطق. جالي صوت أبوها الصارم من الناحية التانية: “خلصت الموضوع يا فريد؟ العريس المغفل بلع الطعم واقتنع إنها مـ,ـاتت بسكتة قلبية؟” الدـ,ـم اتجمد في عروقي. كمل الصوت من غير ما يستنى رد: “تأكد إنك تنظف القبو كويس، سارة الحقيقية بدأت تفوق، ولازم ننقلها قبل ما الجيران يحسوا بحاجة.” اللي مـ,ـاتت قدامي في المطعم مكنتش خطيبتي سارة… دي كانت اختها التوأم!
جريت زي المجنون على فيلا عيلتها. تسللت من الجنينة اللي ورا في الضلمة، ونزلت على سلم القبو المظلم. زقيت الباب الحديد بحذر، وريحة الرطوبة ضـ,ـربت في وشي. وهناك.. تحت إضاءة خافتة، كانت سارة الحقيقية متكتفة بسلاسل في كرسي خشب، وشها شاحب وجسمها مليان جـ,ـروح! أول ما شافتني، عينيها اتملت رعب وصرخت بصوت مكتوم: “اهرب! أختي كانت بتحاول تنقذك وأخدت السم اللي حطوهولك في الفنجان بدالك… أهلي مش عيلتي، دول شبكة…”
قبل ما تكمل جملتها، سمعت صوت “تكة” الباب الحديد وهو بيتأفل عليا من ورايا في الضلمة.. وصوت أبوها الرخيم طالع من ورا الباب: “تأخرت أوي يا ابني… كان المفروض تكون أنت اللي ميت في المطعم الليلة.” جاهز؟ اربط الحزام، لأن الجزء الثاني والثالث (الأخير) فيهم تحولات هتقلب كل الموازين: الجزء الثاني: لعبة المـ,ـوت تحت الأرض الضلمة كتمت على أنفاسنا، وصوت قفل الباب الحديد كان زي رصاصة اتضـ,ـربت في صدري. سارة كانت بتبكي بصوت مكتوم وهي متكتفة بالحديد: “عملت إيه يا خالد؟! ليه جيت هنا؟ دول مش بني أدمين، دول ما ب يرحموش!”
قربت منها وأنا بصارع الخوف اللي بيشل جسمي. بـ “مفك” صغير كان في جيبي، فضلت أحاول أفك قفل السلاسل وأنا إيدي بترتعش وعرقي نازل زي المطر. “سارة.. افهميني بسرعة، مين دول؟ ومين اللي مـ,ـاتت في المطعم؟”
سارة رفعت عينيها المليانة دموع وقالتلي كلام نزل عليا زي الصاعقة: “اللي مـ,ـاتت دي (نورهان) أختي التوأم.. أبويا وأمي الحقيقيين ماتوا وأنا عندي ٥ سنين، والعيلة دي ما هي إلا شبكة تجارة أعـ,ـضاء وانتـ,ـحال شخصيات دولية! تبنوني أنا ونورهان عشان نكون الواجهة الشريفة لعملياتهم. نورهان اكتشفت إنهم كانوا بلعوا ثروة أهلنا، ولما عرفت إنهم حطوا سم بطيء المفعول في عصيرك في المطعم عشان يخلصوا منك ويورثوا شركتك.. بدلت الكوباية وأخدت السم بدالك عشان تنقذك، ومـ,ـاتت قدام عينك!”
قبل ما ألحق أستوعب البشاعة دي، سمعت صوت مروحة ضخمة اشتغلت فوقنا.. وريحة غاز نفاذة بدأت تملى المكان! أبوها (أو اللي كنت فاكره أبوها) اتكلم من السبيكر اللي في السقف وصوته كله شر: “خالد يا حبيبي.. الغاز ده قدامه بالضبط ٥ دقائق ويقضي على الرئة تماماً. كنت أتمنى تتجوز سارة وناخد شركتك بهدوء، بس أنت فضولي.. والفضوليين بيمـ,ـوتوا بدري.”
الغاز بدأ يخنقنا، وسارة بدأت تغيب عن الوعي. بصيت حواليا بهستيريا.. لقيت ماسورة مياه قديمة طالعة من الحيطة ومصديّة. استخدمت كل قوتي، وبجسمي كله خبطت فيها بكل غل.. الماسورة اتكسرت! المياه اندفعت بقوة وانفجرت في الحيطة، ومع الرطوبة العالية، جزء من الطوب النيئ بتاع البدروم انهار، وظهرت فتحة ضيقة بتعدي للمنور الخارجي! شلت سارة على كتفي وأنا خلاص بنهج وبمـ,ـوت من نقص الأكسجين، وزقيتها من الفتحة وطلعت وراها في آخر لحظة قبل ما الغاز يملى المكان تماماً.
خرجنا للشارع في نص الليل، هدومنا متوسخة دم ومياه، وبنلهث.. بس اللعبة مخلصتش، لأن أول ما رفعت رأسي، لقيت عربية جيب سوداء بفيميه واقفة في أول الشارع، وإضاءة النور العالي اتفتحت في وشنا مباشرة.. وعربيات تانية بدأت تحاصر الشارع من كل ناحية! الجزء الثالث والأخير: الصدمة التي لا تخطر على ببال العربية الجيب نزل منها “أبو سارة” ومعه ثلاثة مسلحين. كنت ماسك إيد سارة وبجري بيها في شوارع مصر القديمة الضيقة، ضـ,ـرب النـ,ـار كان شغال ورايا وزجاج العربيات المكنونة بيتكفي على الأرض.
استخبينا جوه بيت قديم مهجور. سارة كانت بترتعش، مسكت إيدها وقولتلها: “أنا مش هسيبك، هنروح للشرطة حالا، معايا التليفون الأسود والمستندات!” سارة بصتلي فجأة.. وضحكت! ضحكة غريبة.. باردة.. مفيهاش أي نقطة خوف! مسحت الدم اللي على وشها بإيدها، ووقفت ببرود مرعب.. طلعت مسدس صغير من جيبها ووجهته لمخي مباشرة! أنا اتسمرت في مكاني: “سارة.. أنت بتعملي إيه؟!” سارة ابتسمت بـ شر وقالتلي بصوت هادي يكهـ,ـرب الدـ,ـم في العروق: “سارة مين يا خالد؟.. أنا نورهان!”
دماغي لفت، وبدأت الأرض تتسحب من تحت رجلي. كملت نورهان بكلام زي السكاكين: “سارة الحقيقية هي اللي ماتت في المطعم بجد يا خالد! أنا اللي شربتها السم بإيدي! القصة اللي حكيتهالك في القبو عن الشبكة والأعضاء؟ دي كلها كانت تمثيلية عشان أضمن إنك تطلعني من القبو وتجيبلي التليفون الأسود والمستندات اللي أنت سـ,ـرقتها من الشقة!” استوعبت الصدمة بالعافية: “يعني إيه؟! وأهلك؟”
“أهلي مش شبكة ولا حاجة.. أهلي ناس طيبين جداً، كانوا حابسينني في القبو لأنهم عرفوا إني مريضة نفسية وشديدة الخطورة وعندي هلاوس واضطراب شخصية حاد، وكنت محبوسة في مصحة بره مصر وهربت! لما عرفت إن سارة أختي هتاخدك وتاخد الملايين بتاعتك، جيت عشان أخد مكانها.. أهلي كانوا بيحاولوا يحموك مني، وكانوا بيدوروا عليا عشان يرجعوني المصحة قبل ما أذيك!” في اللحظة دي، اقتـ,ـحم الباب أبوها والرجال المسـ,ـلحين (اللي طلعوا رجال أمن وخفر خصوصيين جايبينهم عشان يسيطروا عليها).
أبوها صرخ وهو خايف عليا: “خالد! ابعد عنها! دي مش سارة.. دي نورهان، خطر جداً ومش متزنة!” نورهان بصتلي وعينيها جاحظة وصرخت: “أنا سارة! أنا اللي تستاهل الحياة دي!” وقبل ما حد يلحق يحرّك أي صباع، نورهان وجهت المسـ,ـدس لنفسها ودست على الزناد بدـ,ـم بارد ووقعت على الأرض.. مرت ٦ أشهر.. أنا قاعد دلوقتي في أوضتي، الهدوء تام. العيلة اتكشفت حقيقتها كاملة للنيابة، ونورهان كانت بالفعل مريضة نفسية هربت وانتقمت من أختها التوأم عشان تاخد حياتها.
بس وأنا قاعد وبقلّب في أوراق سارة القديمة.. لقيت مذكرات مكتوبة بخط سارة الحقيقية، تاريخها قبل الحـ,ـادثة بيوم واحد فقط! فتحت الصفحة الأخيرة، ولقيت سارة كاتبة فيها: “خالد.. لو قريت الكلام ده، اعرف إن أختي نورهان مقـ,ـتلتنيش ولا حاجة.. أنا ونورهان اتفقنا نلعب اللعبة دي عليك عشان نأخذ فلوسك ونفصص شركتك بالنص.. بس نورهان خانتني ورتبت كل حاجة عشان تاخد الكيكة كلها لوحدها.. أهلي مش طيبين، وأختي مش مجنونة.. إحنا كلنا كنا بنمثل عليك من أول يوم دخلت فيه حياتنا!”
قفلت المذكرات.. بصيت لنفسي في المراية، وابتسمت ابتسامة مكسورة.. وأنا مش عارف، هل أنا اللي نجيت من الشـ,ـياطين دول؟ ولا أنا الوحيد اللي عشت عشان أكتشف إن الحب اللي عشته سنتين كاملين.. كان مجرد مسرحية مرعبة، وكل الأبطال فيها كانوا خـ,ـاينين!