منوعات

جوزي عزم امه في اول يوم رمضان على الفطار لكن بعد ماأكلت رمت المعلقه في وشي

سِرُّ المِلْعَقَةِ المَرْمِيَّة: عِنْدَمَا تَحَوَّلَ الإِفْطَارُ إِلَى بَرْكَانٍ! أنا اسمي نادية.. طول عمري بآمن إن أول يوم رمضان ده مش مجرد يوم في السنة، ده يوم لمّة العيلة البركة اللي بندعي فيها ربنا ينزل السكينة والأمان على بيوتنا. اتجوزت “سامح” بقالي ثلاث سنين. سامح كان راجل هادي وبيحبني، بس كانت مشكلته الوحيدة هي خوفه الشديد من أمه وشخصيتها المتسلطة. حماتي “الحاجة صفية”.. ست قاسية، نرجسية، وشايفة إن محدش في الدنيا يستاهل ابنها، ومن أول يوم دخلت فيه بيتها وهي بتعاملني باستعلاء وكأني خدامة أخدت ابنها منها.

قبل رمضان بيومين، سامح جه البيت وهو بيفرك إيديه بتوتر وقال لي: – “نادية يا حبيبتي.. أمي وأختي جايين يفطروا معانا أول يوم رمضان. عايز عزومة تشرف، مش عايز غلطة واحدة تخلي أمي تزعل، أنتِ عارفة طبيعتها!” ابتسمت برضا وقلت له: “من عينيا يا سامح، ده رمضان كريم والبيت بيتها!”. معركة المطبخ وصيام النهار! من الفجر وأنا واقفة على رجلي في المطبخ. الجحر كان شديد، الصيام تعبني، بس حب سامح ورغبتي إن اليوم يعدي على خير خلوني أستحمل.

عملت كل الأصناف اللي حماتي بتحبها: (محشي ورق عنب، بطة محمرة بالبرتقال، شوربة لسان عصفور، صواني بشاميل، وسلطات ومقبلات مختلفة). المطبخ كان بيغلي وأنا واقفة بعرق وشقايا أظبط الملح والتوابل بالريحة والتخمين عشان الصيام. قبل أذان المغرب بنص ساعة، رن جرس الباب. وصلت حماتي ومعاها أخت جوزي “سارة”. استقبلتهم بابتسامة وترحاب كبير، وبست إيد حماتي وقلت لها: “نورتي بيتك يا ماما، كل سنة وأنتِ طيبة!”. حماتي دخلت من غير ما تبص في وشي، ودخلت الصالة لفت بعينيها في الشقة وقالت بقلة ذوق: “أهو.. الشقة مكركبة برضه! إيه الريحة دي؟ جنيتي الأكل ولا إيه؟!”.

كتمت زعلت في قلبي، وقلت لسامح بصوت واطي: “معلش.. هي تعبانة من الصيام”. المشهد الذي أوقف دقات قلبي! ضـ,ـرب مدفع الإفطار.. وأذّن المغرب. المائدة كانت عامرة بكل ما لذ وطاب، والأكل يفتح النفس ورائحته تجنن. قعدنا كلنا، وسامح كان مبسوط جداً وشايف مجهودي. حماتي سمّت الله، ومدت إيدها بالمعلقة.. أخدت شوربة، وبعدها أخدت معلقة كبيرة من البشاميل والمحشي، وقعدت تأكل لمدة خمس دقائق كاملة بشهية شديدة والأكل عاجبها جداً! وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، حماتي وقفت الأكل! ملامح وشها اتغيرت للشر والقسوة، وبصت لي بنظرة احتقار وكره هزت كياني!

مسكت الملعقة المعدنية اللي كانت بتاكل بيها، وبمنتهى القسوة والغل.. رمت الملعقة بعنف شديد في وشي!! الملعقة خبطت في جبهتي، وطار منها بقايا الأكل على هدومي ووشي قدام جوزي وأخت جوزه! السكوت النزل على المائدة كان يخنق.. الدـ,ـم اتصفى من عروقي، ودموعي نزلت فوراً تحرق وشي من كثرة الإهـ,ـانة والوجـ,ـع! صرخت حماتي بصوت عالي هز العمارة: “— إيه القرف اللي إنتي عاملاه ده يا جربوعة؟! الأكل دلع وملوش طعم وناقص ملح ومستوي زيادة! إنتي قاصدة تغيظيني وتفطريني على قـ,ـرف في أول يوم رمضان؟! إنتي ست فاشلة وما ينفعش تكوني مرات ابني!”

أنا اتسمرت مكاني.. الأكل اللي أكلت منه 5 دقائق بعنف، فجأة بقى قرف؟! بصيت لسامح.. جوزي! مستنية رجولته، نيرانه، ينطق ويقول لأمه: “دي مراتي وتعبت طول النهار عيب ترمي الملعقة في وشها كده!”. لكن الصدمة الكبيرة كانت منه هو.. سامح نزل دماغه في الأرض، وقال لي بصوت خافت ونذل: – “معلش يا نادية.. قومي غيري هدومك وتنسحي الصفرة، وأعملي لأمي طبق ثاني يمكن الملح مش عاجبها!” في اللحظة دي.. انكسر جوايا كل حبل ود لسامح ولأمه. حسيت إن الطيبة مع الناس دي جريمة، وإن السكوت عن كرامتي في أول يوم رمضان هيخليهم يدوسوا عليا بقية عمري!

[مطبخ القصص المشوقة: سِرّ المكون المفقود!] في عالم الحكايات، دائماً ما تحوي الأواني أسراراً لا تراها الأعين! يُحكى أنه في قديم الزمان، كان هناك ملك يُقيم مأدبة سنوية لأعيان الدولة. وكان يشترط على طباخي القصر أن يضعوا في كل طبق “مكوناً خفياً” يختبر به ذكاء وحكمة من يجلس على طاولته. في إحدى الموائد، قدم الطباخ طبقاً شديد الحلاوة والجمال، لكنه وضع في القاع قطرة واحدة من مرارة حنظل. أكل الوزراء والتجار، وأخذوا يمتدحون حلاوة الطعام ويثنون على الطباخ خوفاً وطمعاً، إلا رجلاً واحداً حكيماً..

عندما وصل للقطرة المرة، وضع ملعقته بوقار وقال للملك: “يا مولاي، الطعام مبهر ومصنوع بمهارة، لكن القاع يحمل مرارة تنذر بوجود غدر!” ابتسم الملك وقال: “صدقت يا حكيم! فالجاهل يبتلع المرارة ويدعي الحلاوة خضوعاً، والمنافق يمتدح القسوة ليتقرب، أما الحر العاقل فهو من يرفض الإهانة ولو كانت ملفوفة في طبق من ذهب!” وهكذا هي المواقف في حياتنا.. بعض الناس يبتلعون طيبتك كاملة، ثم يلقون عليك بمرارة غلهم في النهاية ليغطوا على نقص أنفسهم!

الرد الحاسم والانفجار الصادم! مسحت الدمعة من على خدي، ووقفت طول بعرض قدام المائدة.. الانهيار اتحول لبرود وصلابة زي الصلب. بصيت لحماتي اللي كانت قاعدة تتنفخ، ولأخت جوزي اللي بتبتسم بشماتة، ولسامح المكسور. مسكت الفوطة، ومسحت وشي بمنتهى الهدوء، وقربت من الطاولة.. وبحركة واحدة سريعة وقوية، مسكت طرف مفرش المائدة الساتان الكبير.. وسحبته بعنف لفوق! الأطباق، السرافيس، البطة، البشاميل، الشوربة، والعصائر كلها تطايرت في الهواء ووقعت اتكسرت على السجادة وعلى هدوم حماتي وأخت جوزي!!

حماتي صرخت وقامت تنط من السخونية: “إنتي اتجننتي يا مجنونة؟! إيه اللي عملتيه ده?!” بصيت لها في عينها بمنتهى القوة والشموخ وقلت لها بصوت هز جدران البيت: – “الأكل اللي بتقولي عليه قـ,ـرف ورميتي الملعقة في وشي بسببه.. ده شقايا وتعبي وأنا صايمة طول النهار! وطالما الأكل قـ,ـرف ومش عاجبك، يبقى ما يلزمكيش ولا يلزم بنتك، وما تشرفيش بيتي تأكلي فيه!” سامح وقف يتنفض ويصرخ: “نادية! إنتي بتعلي صوتك على أمي وتدلقي الأكل عليها في رمضان?!”

لفت لسامح وقلت له بمنتهى الجفاء والقسوة: – “وإنت يا سي سامح.. يا اللي وقفت تتفرج ومراتك الإهانة بتترمي في وشها وقلت لي ‘معلش قومي غيري هدومك’.. الراجل اللي ما يصونش كرامة مراته قدام أهله، ما يلزمنيش أعيش معاه دقيقة واحدة!” النهاية دخلت أوضتي، أخدت شنطة هدومي وجوازي وأوراقي الشخصية اللي كنت مجهزاها، وخرجت من باب الشقة وسبتهم في وسَط الأكل المرمي على السجادة والكركبة، ودموع الشماتة في عينين أخته!

نزلت الشارع، وركبت تاكسي على بيت والدي. لما عرف والدي وإخواتي باللي حصل وبالرمية بتاعة الملعقة، إخواتي طلعوا على بيت سامح، وجابوا كل حقوقي ومستحقاتي وعفشي بالقانون، وحرروا محضر بالواقعة والإهـ,ـانة. سامح فضل يجري ورايا طوال شهر رمضان، يتوسل، ويبكي، ويبوس إيد أبويا عشان أرجع، وبيقول إن أمه كانت غلطانة.. بس أنا بصيت له وقلت له: “اللي يرمي كرامة مراته عشان يرضي غرور غيره.. ما يستاهلش يرجع يلاقيني في بيته!”

أخدت طـ,ـلاقي بكامل حقوقي المالية والشرعية، ورجعت لي كرامتي ونفسي.. تعلمت إن رمضان شهر العزة والكرامة، وإن الطعام بيفوت والأيام بتمشي، بس الموقف الصعب هو اللي بيكشف لك المعدن الحقيقي للناس اللي عايش معاهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى