الخروجة المنتظرة والشو الكداب نيرة كانت طالعة للسما من الفرحة.. أخيرًا مجهود سنين أثمر، واتعينت “مديرة تسويق” في شركة إنترناشونال كبيرة. وبطبيعة الحال، أول حد فكرت تشارك معاه الفرحة كان خطيبها “أحمد”. أحمد من النوع اللي بيحب المظاهر جدًا، أبوه راجل أعمال، وهو دايماً بيحب يتباهى بقعداته وأصحابه اللي من “الطبقة العالية”. لما نيرة قالتله على الترقية، قالها بفخر مشوب بتكبر: — “بس كده؟ دا إحنا لازم نحتفل في ‘السبوت’ الجديد اللي فتح في وسط البلد.. عزومة شياكة وأنا هجيب أصحابي معايا نتعشى ونتبسط!”
نيرة ماكنتش بتحب شلة أحمد.. مجموعة من الشباب والبنات (أبرزهم واحدة اسمها “سارة”)، دايماً بيتكلموا بنص لسان، وبيستقلوا بأي حد مش شبههم. بس نيرة قالت لنفسها: “معلش يا بت، يوم وتعديه عشان خاطر أحمد.” نزلت نيرة، وكانت طالعة زي القمر، ووصلت الكافيه الكبيرة. المكان كان زحمة، شياكة ومزيكا هادية، وأحمد وشلته قاعدين على أكبر ترابيزة، بيضحكوا بصوت عالٍ ومتقمصين دور العائلات الأ Aristocratic.
أول ما نيرة قعدت، سارة بصلتها من فوق لتحت وقالت بابتسامة صفرا: — “مبروك يا نيرة الترقية.. عقبال ما تغيري ستايل لبسك بقى عشان يناسب المنصب الجديد!” أحمد ضحك وقال: “معلش يا سارة، نيرة عمليتها عملية بساطة شوية، بس أنا هظبطها.” نيرة بلعت الإهانة بالعافية وسكتت، بس اللي جاي كان أصعب بكثير من مجرد كلمة سخيفة. الجزء الثاني: الصدمة اللي تجمد الدم في العروق القعدة كانت ماشية بضغط وتصنع، وأحمد عمال يستعرض ويمثل إنه صاحب المكان. فجأة، أحمد خبط على الترابيزة بضيق وزعق: — “إيه القرف ده؟ بقالنا نص ساعة مستنيين الأوردر! هو فين المتر اللي هنا؟”
من بعيد، جه راجل في أواخر الخمسينات، ماشي بخطوات متعبة بس ضهره مشدود وعزته عالية، لابس لبس الويترز البسيط ومسك صينية ثقيلة عليها الطلبات. أول ما قرب من الترابيزة قال بصوت دافي وطيب: — “آسف جداً يا فندم على التأخير، المكان زحمة النهاردة والله، اتفضلوا…” في اللحظة دي، الزمن وقف بالنسبة لنيرة. الصوت ده.. الوش ده.. الأيدين اللي شالتها وهي صغيرة.. الراجل ده كان “عم مجدي”.. أبوهـا! نيرة اتسمرت في مكانها، عينيها اتوسعت والدماً جمدت في عروقها. هي كانت عارفة إن أباها شغال في مجال الضيافة، بس عمرها ما تخيلت إنه شغال ويتر في نفس الكافيه اللي خطيبها يعزمها فيه!
أبوها أول ما شافها، عينيه لمعت بفرحة ومشاعر متلخبطة، بس حاول يتدارك الموقف عشان ما يحرجهاش قدام خطيبها وأصحابه، ووطى راسة بكرامة وهو بيحط الفناجين. لكن “سارة”، اللي عينيها زي الصقر في الأذية، لمحت النظرة المتبادلة بين نيرة والويتر. الجزء الثالث: السخر.ية وك.سرة القلوب سارة ضحكت بصوت عالٍ واستفزازي، وقالت وهي بتشاور على عم مجدي: — “هاهاها! إيه ده يا أحمد؟ هو الويتر ده قرايب نيرة ولا إيه؟ أصل عمال يبصلها كأنه شايف واحدة من بقية أهله!”
الشباب على الترابيزة بدأوا يكركروا. أحمد بص لعم مجدي، وبعدين بص لنيرة، ووشه اتغير.. بدل ما يستوعب أو يحس بنخوة، حس بالإحراج والكسوف إن خطيبته أبوه وراجل شغال بياخد أوردرات! أحمد بصلها بنظرة مليانة قرف واستهزاء وقال بصوت عالٍ أسمع الترابيزات اللي جنبهم: — “إيه ده يا نيرة؟! مش ده بابا اللي كنتِ بتقوليلي إنه شغال ‘إداري في قطاع الأغذية’؟ طلع بيمسح ترابيزات ويشيل صواني هنا؟ إنتِ كنتِ بتستغفليني ولا إيه؟!”
سارة كملت فوقيها وهي بتضحك: “يا جماعة بالراحة عليها، بكره لما يتجوزوا، أحمد هيشرب قهوة ببلاش طول العمر! مبروك يا حمادة، نَسب يشرف بصراحة!” الضحك زاد، وأحمد بدل ما يدافع عنها، شاركهم في الضحك وقال بتهكم: “والله شكلنا هنفتح كافيه ونشغل الحَما فيه بقى!” عم مجدي كان واقف، صينيتها في إيده، عينيه اتملت دموع بس مسك نفسه بالعافية عشان ما يبكيش قدام بنته. كان خايف عليها هي من الكسفة، مش خايف على نفسه.
الجزء الرابع: البر.كان . يَنف.جر ورد الاعتبار في اللحظة دي، نيرة حست إن فيه حاجة جواها اتقطعت.. الحب المزيف لأحمد اتدمر، والخوف اتتحول لبر.كان غضب وكبرياء. وقفت نيرة فجأة، وصوت كرسيها وهو بيترزع لورا سَكّت الترابيزة كلها. مشيت بخطوات ثابته ومرفوعة الرأس لحد ما وقفت جنب أباها. مسكت الصينية الثقيلة من إيده وحطتها على ترابيزة ثانية، وبعدين أخدت إيد أبوه المتشققة من التعب، وبس.تها قدام الكافيه كله بصوت عالي وواضح!
التفتت لأحمد وشلته، عينين نيرة كانت بتطلع شرار، وقالت بصوت جحيمي هز المكان: — “أيوة يا أحمد.. ده بابا! الراجل اللي إيديه اتش.ققت وتعبت عشان يربيني وينضفني ويخليني أقف على رجلي. الراجل ده هو اللي دفع مصاريف جامعتي من شقاه، وعشانه أنا النهاردة بقيت مديرة في أكبر شركة! شرفه وتعب إيده برقبتك وبرقبة عيلتك كلها!” أحمد اتفاجئ ووشه جاب ألوان: “نيرة.. اهدي أنتِ بتعملي إيه، الناس بتبص علينا…” نيرة قا.طعت بحدة وهي بتمد إيدها، قلعت خاتم الخطوبة (الدبلة)، وبصت له بكل احت.قار، ورزعت الدبلة جوة فنجان القهوة بتاعه!
— “القهوة دي على حساب بابا يا أحمد.. بس كرامتي وكرامة بابا ملهاش حساب عندك ولا عند الشلة المريضة دي! دبلتك أهيه، والخطوبة دي اتفسخت وفي جزمة أي حد يفكر يستقل بأبويا!” الجزء الخامس: الصد.مة الكبرى والدرس الأخير المكان كله بقى في حالة صمت رهيب. سارة وأصحاب أحمد أكلوا وشهم وما بقمش عارفين ينطقوا. أحمد قام وقف وهو متغاظ ومكسوف: “أنتِ جنيتي؟ بتسيبيني عشان بياع قهوة؟” وفي نفس اللحظة دي بالضبط.. خرج راجل ببدلة فاخرة جدًا من المكتب الرئيسي للكافيه، ومعاه صاحب السلسلة الشهيرة كلها، ومعاهم المستشار القانوني.
صاحب السلسلة أول ما شاف عم مجدي، جرى عليه بابتسامة عريضة وأخدوا بالح.ضن قدام الذهول التام من أحمد وشلته! صاحب الكافيه قال بصوت عالٍ: — “أستاذ مجدي! معلش تعبتك معايا وخليتك تنزل بنفسك تراجع سير العمل والأطقم الجديدة قبل ما نفتح الفرع الجديد.. المستشار أهو وجايب عقود الشراكة للفرعين الجداد اللي أنت دخلت فيهم شريك معانا بخبرتك وإدارتك!”
أحمد عينية برزت لبرة، ولسانه اتعقد! عم مجدي ماكانش مجرد ويتر عادي.. عم مجدي كان أسطورة في مجال إدارة وتأسيس المطاعم والكافيهات، راجل خبرة 30 سنة، وبسبب خبرته أصحاب سلاسل الكافيهات بياخدوه شريك معاهم بالإدارة والمجهود، وكان نازل “الشيفت” ده بنفسه متخفي عشان يختبر كفاءة وأمانة العمال الجداد قبل ما يفتتحوا السلسلة الجديدة! صاحب الكافيه بص لأحمد وشلته اللي واقفين مشدوهين، وبص لعم مجدي وقال: “خير يا أستاذ مجدي؟ فيه مشكلة مع الشباب دول؟”
عم مجدي بص لأحمد بنظرة شفقة وهدوء وقال: “لا أبداً يا باشا.. دول ناس فاكرين إن قيمة البني آدم في لبسه وفلوس أبوه، مش في تعبه وعرق إيده.” نيرة مسكت إيد أباها وقالت بابتسامة نصر وفخر: — “يلا يا بابا.. المكان ده بقى بيئته مش شبهنا خالص.” مشيت نيرة ومسكت في دراع أباها، وخرجوا من الكافيه وسط تصفيق حار من الويترز والزبائن اللي كانوا متابعين المشهد من الأول. أما أحمد؟ فقعد على كرسيه ووشه في الأرض، والدبلة مرمية جوة فنجان القهوة الساقع، وأصحابه كل واحد فيهم اتسحب ومشوا وسابوه لوحده يغرق في خيبته وخسارته لأرجل وأحسن بنت كان يحلم بيها!