كانت شمس الغروب تتسلل بخيوطها الدافئة من شباك الصالة، بينما تُكمل “سارة” وضع اللمسات الأخيرة على العشاء. شمعتان باللون الأبيض، وعلبة صغيرة مغلفة بفيونكة حمراء موضوعة بعناية في منتصف الطاولة.
قلبها كان يدق بسرعة كبيرة، مزيج من الفرحة والارتباك. طالما حلمت بهذه اللحظة وطالما انتظرتها، واستجمعت كل قوتها لكي لا تفصح عن السر حتى تعود إلى البيت وتعد له هذه المفاجأة.
سُمِع صوت كعب المفاتيح داخل القفل. فتح “عمرو” الباب، يبدو عليه الإرهاق كالعادة بعد يوم عمل طويل وشاق.
سارة (بابتسامة عريضة وعينين تلمعان فرحاً): “حمد الله على السلامة يا حبيبي..
كل ده تأخير؟”
عمرو (يبتسم بتعب ويضع مفاتيحه): “الله يسلمك يا سارة.. معلش الزحمة كانت تخنق. إيه النور والجو ده كله؟ هو في مناسبة أنا نسيها ولا إيه؟”
سارة (تمسك يده وتهديه نحو الطاولة): “لأ مش ناسي، بس النهاردة في أحلى خبر في حياتنا كلها..”
المشهد الثاني: المفاجأة والجمود أجلست سارة عمرو على الكرسي، ثم تناولت العلبة الصغيرة المربوطة بالشريط الأحمر ووضعتها بين يديه وهي تنظر في عينيه بلهفة.
سارة: “افتحها بسرعة يا عمرو!”
فتح عمرو العلبة ببطء، ليجد داخلها اختبار حمل إيجابي مع حذاء صغير جداً للأطفال باللون الأبيض.
رفعت سارة يدها لتلمس وجهه والد.موع في عينيها.
سارة (بنبرة تملؤها السعادة والد.موع): “مبروك يا حبيبي.. هتبقى أب!”
في تلك اللحظة، توقعت سارة أن يقفز عمرو من الفرحة، أن يحت.ضنها، أو حتى يبكي من شدة التأثر. لكن ما حدث كان صمتاً مر.عباً.
تجمدت ملامح عمرو بالكامل. اخت.فت ابتسامته، وحلت محلها نظرة صد.مة جا.فة، خالية من أي مشاعر. أنزل العلبة على الطاولة ببطء شديد، ورفع عينيه لينظر إليها بنظرة غريبة لم ترها في عينيه طوال سنوات زواجهما.
المشهد الثالث: الصد.مة التي هزت الأركان ساد الصمت للحظات كانت أطول من السنين، قبل أن يخرج صوت عمرو مخنو.قاً، بارداً كالجليد:
عمرو: “…حامل من مين؟”
توقفت أنفاس سارة. اتسعت عيناها بذهول شديد، وظنت للوهلة الأولى أنه يمازحها أو لم يستوعب الخبر بعد.
سارة (بضحكة مرتبكة وذهول): “هيكون من مين يعني يا عمرو؟! انت بتقول إيه؟! من مين إزاي يعني؟!”
عمرو (يقف فجأة من مكانه بنبرة حا.دة ووجه شاحب): “أنا بسألك سؤال واضح يا سارة.. حامل من مين؟!”
سارة (تتراجع للخلف، والد.موع تبدأ بالإنه.يار على وجهها من الهول): “أنت تجننت؟! أنت بتشك فيا؟ ده ابنك انت! مالك في إيه؟
إيه الكلام الفاضي ده؟!”
قام عمرو بسحب محفظته من جيبه بأيدٍ ترتجف من الغضب والصد.مة، وأخرج منها ورقة مطوية مطوية عدة مرات، ورماها بقوة على الطاولة أمامها.
عمرو (بصوت يرتجف من القهر): “أنا رحت للدكتور الأسبوع اللي فات وشكيت في تأخر الخلفة.. عملت التحاليل والفحوصات الكاملة، والدكتور قالي النهاردة النتيجة بالورق والقلم.. أنا عندي عقم قا.طع وما بخلّفش يا سارة!”
سقطت الكلمة كالقنبلة في الغرفة. تراجعت سارة خطوة إلى الخلف وكأن أحداً ض.ربها، ونظرت للورقة الملقاة على الطاولة، ثم إلى زوجها الذي تقف د.موع القهر في عينيه، لتتوقف الحياة تماماً في تلك اللحظة بينهما.