بصلت لها.. ماكنتش قادر أحس بنشـ,ـوة الشـ,ـماتة، ولا كان فيه حيل في قلبي للغضب. كان فيه بس فراغ كبير، وسؤال واحد بيلف في دماغي: “يا ترى يا أمي.. كنتِ حاسة بإيه وأنتِ ماشية في نفس الجو ده، وبنفس الشنطة، بسبب ابنك اللي شقيتي عليه؟” في اللحظة دي، تلفوني رن. كان رقم غريب. فتحت الخط بصوت مجهد ومكسور: حازم: “ألو..” الصوت: “أستاذ حازم؟ أنا المحامي أشرف.. محامي المرحومة والدتك.” قلبي اتنفض في صدري. أمي؟ أمي اللي ماتت من سنتين؟
حازم (بصوت يرتجف): “خير يا أستاذ أشرف؟ فيه إيه؟” المحامي: “والدتك الله يرحمها قبل ما تتوفى، كانت سايبة معايا أمانة ووصية مغلقة، ومشرطة عليا ما أفتحهاش ولا أكلمك إلا في حالة واحدة بس.. لو أنت بقيت في الشارع!” الجزء السادس: وصية من تحت التراب
أنا ونورهان اتسمرنا مكاننا. المحامي طلب مننا نجيله المكتب فوراً. رحنا له ونحنا مبلولين بالكامل، بنترعش من البرد والذهول. المحامي قعدنا، جاب لنا شاي دا do وسحب ملف أسود من الخزنة، وطلّع منه جواب مقفول بجمع أحمر، ومفتاح قديم.
المحامي: “أمك الله يرحمها لما جأت لي من سنتين، كانت عيانة جداً. قالت لي كلمة واحدة مش هنساه: (حازم ابني طردني، بس هو عبيط ومش فاهم الدنيا.. بكرة مراته وعياله يرموه، ولما يترمي، مش هيلاقي حد يرحمه غيري). أمك كانت شارية بيت صغير باسمها في بلد جنب بلد خالك، وكتبت البيت ده باسمك أنت يا حازم، وعملت لك حظر بيع عشان مراتك ما تاخدوش منك، وسابت لك الجواب ده.” فتحت الجواب بإيد بتترعش، والدموع مغرقاني. الخط كان خط أمي.. الضعيف المكسور اللي أعرفه كويس:
“ابني وحبيبي حازم..
عارفة إنك لما تقرأ الجواب ده، هتكون الدنيا قست عليك وزي ما طردتني، اترميت. أنا مش زعلانة منك يا حازم، الأم مابتعرفش تكره ضناها حتى لو ذبحها. أنا عارفة إن مراتك هي اللي مشيتك في الطريق ده، وعارفة إن عيالك هيردوا لك السلفة.
البيت ده بتاعك، المفتاح مع المحامي. اروح قعد فيه أنت ومراتك.. أيوة، خد مراتك معاك يا حازم، ما ترميهاش زي ما رمتني. ارحمها عشان ربنا يرحمك، واعرف إن باب التوبة مفتوح بس الحساب في الدنيا بيتدفع قرش قرش.
سامحتك يا حازم.. ادعي لي بالرحمة.”
الجزء السابع: نهاية المطاف
انهارت على الأرض في مكتب المحامي، سجدت وأنا بعيط وبصرخ بصوت هيستيري. أمي اللي طردتها في البرد، هي الوحيدة اللي آوتني بعد ما كل الدنيا اتخلت عني! أمي اللي هانتها مراتي، هي اللي حمت مراتي من التشرد في آخر أيامها! نورهان كانت واقفة بتشهق من البكاء، انحنت على الأرض ومسكت رجلي وأنا ساجد، وقعدت تبوس إيدي وتقول: “والله العظيم هعيش خدامة تحت رجليكي يا أم حازم حتى بعد ما متِ.. سامحيني يا ست الكل!”
سافرنا للبيت الصغير.. كان بيت بسيط، بس فيه دفء العالم كله. عشنا فيه أنا ونورهان.. اتغيرت حياتنا تماماً. نورهان تحولت لإنسانة تانية، انكسر غرورها، وبقتتقضي يومها بين الصلاة والدعاء لأمي، وتطلع صدقات على روحها من القليل اللي معانا. أما سيف وآدم… العدل الإلهي ما بيكملش إلا بالقصاص الكامل.
بعد سنة واحدة بس، الشاب النصاب اللي ضحك عليهم واشترى منهم الشقة بأوراق مزورة، طلع نصاب دولي، وخد الشقة والعربية والفلوس وهرب برة مصر. العيال لقوا نفسهم فجأة مديونين بمليون جنيه، ومطلوبين للقبض عليهم في قضايا شيكات بدون رصيد.
في ليلة مطرة، زي نفس الليلة اللي طردوني فيها، سمعت خبط ضعيف وخائف على باب البيت الصغير. فتحت الباب.. لقيت سيف وآدم واقفين. هدومهم مقطعة، وشهم مجروح من الخناقات، وعينيهم فيها نفس الانكسار اللي كان في عين أمي وعيني. سيف (بصوت مكسور وتبكي): “سامحنا يا بابا.. اترمينا في الشارع، والشرطة بتدور علينا، ومافيش مكان نروح فيه غير عندك…” نورهان جرت من جوة، وقفت جنبي على الباب. بصت لعيالها اللي حرموها من كل حاجة ونصبوا عليها..
تفتكروا نورهان وحازم عملوا إيه في اللحظة دي؟ هل فتحوا الباب للعيال اللي دمروا حياتهم، ولا سابوهم يدوقوا نفس الكأس اللي سقوه لكل العيلة؟ نورهان بصت لي، وعينيها مليانة دموع، وقالت جملة واحدة نهت الحكاية: “افتح الباب يا حازم.. ادخلوا يا بني. إحنا نتعاقب من ربنا، بس ما بنقطعش أرحامنا.. تعلموا الدرس قبل ما الزمان يلف وتتحاسبوا على اللي عملتوه فينا قدام عيالكم!” ودخل العيال، وعاشوا في البيت الصغير خدامين تحت رجلين أبوهم وأمهم، يدفعوا ثمن الذنب.. بس المرة دي وهم بيتعلموا إن “كما تدين تدان، ولو بعد حين”.