روايات

لع.نة الـ 30 دقيقة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت شبيهة بـ “ساعة توقيت”

ل.عنة الـ 30 دقيقة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت شبيهة بـ “ساعة توقيت” مضبوطة بدقة مرعبة. كلما خطونا خطوة واحدة خارج باب الشقة أنا وزوجي—سواء كنا متجهين لسينما، أو مطعم، أو حتى لنزهة قصيرة لا تتعدى النصف ساعة—كانت العاصفة تبدأ. نصف ساعة بالضبط، ثم يرن الهاتف. صوت “أحمد” يتغير، وملامحه تنهدك من الخوف. على الطرف الآخر، صوت والدته يصارع الم.وت: “الحقني يا بني… حاسة إن أنفاسي بتتسحب مني… تمو.ت ديلوقتي!”

كنا نترك كل شيء ونعدو كالمجانين. نلغي الحجوزات، نترك الطعام على الطاولات، ونقطع طريق الساحل من منتصفه. وفي كل مرة نصل فيها يلهث أحمد من الرعب، نجدها تتنفس ببطء، وتجلس على أريكتها متبسمة وهي تقول: “أول ما شفتكم… الروح ردت فيّ!” كانت مأساة صامتة نعيشها، لكن ما حدث في ذكرى زواجنا غيّر قواعد اللعبة إلى الأبد. ليلة حبس الأنفاس كنا ننتظر هذا اليوم منذ أشهر. أعددت نفسي كأنني عروس جديدة، حجزنا في مطعم هادئ يطل على النيل، وكانت ابتسامة أحمد صادقة لأول مرة منذ فترة طويلة.

جلسنا… أُضيئت الشموع… وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث. وفجأة… رن الهاتف. تجمّدت في مكاني. كانت الساعة تشير إلى مرور 30 دقيقة بالضبط. نظرنا لبعضنا في صمت قاتل. التقط أحمد الهاتف برعشة في يده: “أكيد تعبانة يا ندى…” أجاب، وكان الصوت قادماً من الهاوية: “تعالوا… الباب مفتوح… أنا مش قادرة أقف على رجلي.” نهض أحمد مذعوراً: “يلا نمشي بسرعة!” في تلك اللحظة، شعرت بصرخة داخلية ترفض أن تمو.ت هذه الليلة أيضاً. أمسكت بيده بقوة، ونظرت في عينيه بثبات:

“استنى… افتح فيديو.” رفضت الأم مكالمة الفيديو بحجة أنها لا تستطيع التحرك. فقلت: “اتصل بأي جار يلحقها!” صرخت الأم عبر الهاتف بتوتر: “هو أنا هسيبكوا واستنجد بالغريب؟!” هنا حسمت أمري ونظرت لزوجي: “لو الحالة خطيرة، نطلب إسعاف فوراً… لكن مش هنسيب يومنا ونمشي المرة دي.” ساد الصمت لثوانٍ كانت الأطول في حياتنا. تردّد أحمد، ثم ولأول مرة، قال نطق بالكلمات التي طال انتظارها: “معلش يا ماما… ساعتين وهنكون عندك.” أغلقت الخط بغضب مكتوم. تكدر الجو قليلاً، لكننا قررنا ألا ندع الخوف يسرق ليلتنا.

الستار يسقط! بعد ثلاث ساعات، عدنا. كنا نتوقع أن نجد البيت مظلماً، أو نجدها متأعكة تعاتبنا بدموع. لكن المفاجأة كانت في انتظارنا عند مدخل العمارة. أصوات ضحكات مجلجلة تنبعث من الشقة… رائحة محشي وفراخ محمّرة تملا الممر… وأغاني تعمل في الخلفية! صعدنا السلالم بخطوات ثقيلة. باب الشقة كان مفتوحاً على مصراعيه. عبرنا العتبة… لتكون الصدمة! حماتي تتصدر المجلس وسط جمع غفير من أقاربها، تبتسم وتتجاذب أطراف الحديث بحيوية غريبة! وبمجرد أن وقعت عيناها علينا، هبط الصمت على الغرفة وتغيرت ملامحها في ثانية.

قالت بتلعثم: “أهو… وصلتوا؟” قاطعتها خالتهم بضحكة عفوية: “سيبيهم يا أم أحمد، دول عرسان وبيتمشوا… إنتِ من العصر واقفة على رجلك بتطبخي وتستنينا!” اتسعت حدقتا أحمد. سألها بصوت مبحوح: “إنتِ كنتِ بتطبخي من العصر؟!” حاولت التملص: “أصل… أصل اتحسنت فجأة!” خطا أحمد نحو المطبخ… أربع حلل تغلي على النار، وصواني طازجة خارجة من الفرن، وعزومة كاملة أُعدت على مدار ساعات طويلة! عادت الخالة لتقول حسن نية: “دي مكلمانا من أسبوع ومجهزة للعزومة دي مخصوص عشان الجمعة!”

ساد صمت رهيب في الصالة. نظر أحمد لوالدته بذهول وقال: “كنتِ عارفة إن النهاردة ذكرى جوازنا… وبرضه عملتي كدة؟” اللمسة الأخيرة انسحبنا بهدوء بعد أن سقطت كل الأقنعة أمام العائلة بأكملها. لكن القصة لم تنتهِ هنا… ونحن ننزل درجات السلم بخطوات متثاقلة، رن هاتف أحمد مجدداً. كانت المتصلة هي جارتها العجوز، التي قالت بعفوية: “يا أحمد يا بني… طمني، لحقتوا تيجوا بدري؟ أمك كانت عندي قبل ما تطلبكم بنص ساعة، وقالتلي بالنص: (أنا هخليهم يسيبوا اللي في إيديهم ويجوا جري ديلوقتي… نفسي العيلة كلها تتجمع النهاردة!)”

توقف أحمد في منتصف السلم… نظر إليّ في ذهول تام. لم تكن الخدعة مجرد مسرحية عابرة… بل كانت الدليل القاطع الذي أنهى سنوات من الخداع بصمت! لكن الشيء الذي لم نتوقعه أبداً… أن اللعنة لم تكن تنتهي بسقوط القناع، بل كانت مجرد البداية لفصلٍ أكثر ظلاماً ورعباً. في تلك الليلة، عندما عدنا إلى شقتنا، لم ينطق أحمد بكلمة واحدة. كان يجلس في أريكة الصالة محدقاً في الفراغ، يداه ترتجفان برفق. سنوات من المشاعر المتضاربة، الذنب المزيف، والركض الخائف على حياة والدته، تبخرت في لحظة واحدة لتترك مكانها فراغاً أسود قاتماً.

حاولت التخفيف عنه، وضعت يدي على كتفه وقبلت رأسه، فقال بصوت مكتوم كأنه قادم من مقبرة:
“أنا أسف يا ندى… أسف على كل لحظة سرقتها مننا، على كل فرحة ق.تلتها بنفسي.” نام أحمد ليلتها نومة أشبه بالإغماء، وكأن جسده قرر أن يستريح أخيراً من وهم “سباق الـ 30 دقيقة”. مرت أيام… وكان الهاتف صامتاً. لأول مرة منذ سنوات، لم ترن حماتي. لم تطلب أحداً، ولم تعد تتصل لتقول “أنا بمو.ت”. لقد أدركت أن كرتها الأخير قد احترق أمام الجميع. لكننا كنا نجهل أن المرأة التي استطاعت تمثيل المو.ت لسنوات، لن تقبل بالتأكيد أن تخرج من اللعبة خاسرة.

بعد أسبوعين من تلك الحادثة، قررنا أن نترك المدينة كلها لنستريح. حجزنا شاليهاً على البحر بعيداً عن الجميع، وأغلقنا هواتفنا تماماً إلا من هاتف واحد تركناه للمواقف الطارئة جداً ولم نكن قد أعطينا رقمه لأحد سوى لأمي وأخي. كان المساء ساحراً. صوت الأمواج، النسيم العليل، والهدوء الذي حرِمنا منه لسنوات.
جلست بجوار أحمد نراقب غروب الشمس. ابتسم لي وقال:
“أنا حاسس إني اتولدت من جديد.” وفي تلك اللحظة… انقبض قلبي فجأة بدون سبب.
نظرت لساعتي في يد أحمد… كانت تشير إلى السابعة مساءً.
مرت 30 دقيقة بالضبط منذ خرجنا من الشاليه لنتمشى على الشاطئ.

قلت لنفسي ضاحكة بمكابرة: ندى، استعيذي بالله من الشيطان.. اللعبة انتهت خلاص. لكن بعد ثوانٍ قليلة… رن الهاتف! تجمّد الدم في عروقنا. تطلع أحمد إلى الشاشة بذهول… كان الرقم غريباً وغير مسجل. تردد أحمد، لكنه فتح خط السبيكر بصوت مرتعش: “ألو؟” جاءنا صوت رجل غريب، أنفاسه متقطعة ولهجته مذعورة:
“حضرتك الأستاذ أحمد؟”
أجاب أحمد: “أيوه.. مين معايا؟” قال الرجل: “أنا الدكتور شريف من قسم الطوارئ بمستشفى (….). والدة حضرتك اتنقلت عندنا في حالة حتجة جداً بعد حادثة عربية أليمة على طريق السريع…”

سقط الهاتف من يد أحمد على الرمال.
صرخت فيه: “أحمد! اصحى! دي تمثيلية جديدة! بتلعب نفس اللعبة!” لكن الطبيب استكمل من خلال الهاتف الملقى على الأرض وصوته مشوش:
“يا أستاذ أحمد… لو سمعني، والدتك دخلت العناية المركزة، وحالتها الحرجة مش هتستحمل، لازم حد يوقع على إقرار عملية عاجلة في المخ فوراً!” اتسعت عينا أحمد، وكان يلهث من الرعب. نظر إليّ والدموع تملأ عينيه:
“ندى… حادثة عربية؟! هي مش بتسوق اصلاً! مين اللي سايق؟ وإيه جابها طريق السريع؟”

كان العقل يصرخ بي: إياكِ أن تصدقي! هذه خدعة متطورة، ربما اتفقت مع أحد أقاربها أو استأجرت أحداً ليُمثل هذا الدور!
ولكن من الناحية الأخرى… ماذا لو كانت هذه المرة حقيقية؟ ماذا لو تجاهلنا المكالمة وفقدها بالفعل؟ هل سيعيش أحمد بحجم هذا الذنب طوال حياته؟ قال أحمد بصوت منكسر: “ندى… أنا لازم أرجع. لو طلعت بتكذب المرة دي كمان… أوعدك مش هشوفها تاني طول عمري. بس لو حقيقي… مش هسامح نفسي لو ماتت.”

طوينا العطلة في دقائق، وركبنا السيارة وعدنا نركض عبر الطريق المظلم كالمجانين. السرعة كانت مرعبة، والخوف يأكل أجسادنا. مرّت ساعتان في صمت قاتل، لم نتحدث فيهما بكلمة واحدة. وصولنا للمستشفى كان كأنه كابوس.
ركضنا إلى قسم الطوارئ. كانت الأضواء البيضاء الخافتة ورائحة المطهرات تزيد من توترنا.
اقترب أحمد من موظف الاستقبال وهو يصرخ:
“والدتي… (فاطمة)! جاية في حادثة!” نظر الموظف في الحاسوب بهدوء مستفز وقال:
“أه.. المدام فاطمة. في العناية المركزة في الدور الثاني.”

صعدنا السلالم ركضاً. وبمجرد وصولنا أمام باب العناية المركزة، وجدنا الطبيب خارجاً، وجهه شاحب وملامحه جادة للغاية.
تقدم أحمد منه برعشة: “دكتور! أمي عاملة إيه؟!” نظر إلينا الطبيب بنظرة أسف، وأخرج نفساً طويلاً:
“أنا آسف يا بني… التقرير كان خطأ في التشخيص الأولي.” ساد الذهول: “يعني إيه؟!” قال الطبيب بصوت هادئ ومريب: “والدتك مش مصابة في حادثة… هي مفيش فيها أي خدوش أو كسور!” تجمّدت في مكاني. نظرت لأحمد وقلت بصوت مرتفع: “شفت؟! قلتلك! تمثيلية جديدة! عملت اللعبة دي كلها عشان تخلينا نرجع!”

لكن الطبيب قاطعني بلهجة حازمة وشديدة الجدية:
“يا فندم اسمعيني للأخر… هي مفيش فيها كسور، لكن التحاليل والأشعة المقطعية اللي عملناها أول ما وصلت كشفت حاجة ثانية خالص…” سكت الطبيب لثوانٍ، ثم قال بثقل:
“والدتك عندها أورام متقدمة في المخ وفي المراحل الأخيرة… الأورام دي ضاغطة على مراكز التحكم في السلوك والذاكرة، وده كان بيسبب لها نوبات هلع وضيق تنفس شديد وشعور مفاجئ بالخوف من المو.ت بييجي كل فترة… والنوبات دي كانت بتبدأ غالباً أول ما تحس إنها لوحدها أو لما يرتفع عندها القلق!”

سقطت الكلمات كالصاعقة فوق رؤوسنا. أورام في المخ؟
نوبات هلع حقيقية؟
ضغط على مراكز السلوك؟ تصلّب أحمد في مكانه. انفتحت شفتاه دون أن تخرجا صوتاً.
صدمة كبرى زلزلت كياننا بالكامل. أكمل الطبيب برفق:
“الدماغ لما بيصاب بالنوع ده من الأورام، المريض مش بيكون مدرك لتصرفاته بشكل كامل. بيصنع سيناريوهات وحجج (زي العزومة أو الطبخ) عشان يغطي على شعوره الخفي بالخوف الشديد من إنه يمو.ت لوحده… هي مش بتتظاهر بالمرض عشان تضايقكم… هي كانت فعلاً بتحس إن روحه بتتسحب، وكان وجودكم هو الشفرة الوحيدة اللي بتهدّي التفاعل الكيميائي الخاطئ في مخها!”

في تلك اللحظة، ظهرت الصورة كاملة كلوحة مرعبة.
العزومة… الضحكات… الادعاءات… حتى كلام الجارة!
كل ذلك لم يكن سوى دفاعات نفسية مشوهة لمخ ينهار وينخر فيه المرض الخبيث منذ سنوات دون أن يدري أحد! كانت تخجل من الخوف، فتقوم بالتغطية عليه بحجج واهية أمام الناس كي لا تبدو مجنونة! التفت أحمد إليّ… وكانت عيناه محطمتين بشكل لا يمكن وصفه.
الذنب الذي حاول أن يهرب منه، عاد ليضربه في صدره بقوة ألف ضعف.
أدرك في تلك اللحظة أنه في المرة الوحيدة التي قرر فيها ألا يستجيب… كان جسد والدته ينهار فعلياً تحت وطأة المرض المكتوم.

خطا أحمد بخطوات ميتة نحو باب العناية المركزة.
فتح الباب الرديء ببطء شديد. كانت تجلس على السرير، وحولها أجهزة قياس النبض والتنفس. كانت تبدو أصغر حجماً، وشاحبة كالأوراق الجافة. عندما سمعت صوت الباب، التفتت ببطء.
وعندما وقعت عيناها على أحمد… لم تتكلم، ولم تصرخ، ولم تعاتب. فقط… ابتسمت تلك الابتسامة ذاتها، وقالت بصوت خافت جداً ومرتعش: “أول ما شفتك… الروح ردت فيّ…”

سقط أحمد على ركبتيه بجوار السرير، وانهمرت دموعه كالمطر وهو يمسك يدها ويقبلها بحرقة، بينما كنت أقف عند الباب، أستمع إلى صفير جهاز النبض المتسارع… وأنا أدرك أن “لعنة الـ 30 دقيقة” لم تكن سوى صرخة استغاثة صامتة من جسد كان يحترق في الخفاء، بينما كنا نحن نعتقد أننا نعيش مسرحية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى