روايات

غريبة في بيتي

“أنا لست خادمة هنا! أنت تركبني المتاعب وتتوقع مني أن أنظف وأطبخ وأحمل هم البيت؟ زوجتك كانت تتحمل كل هذاالقرف وتسكت، أما أنا فلا! اتصل بها لتعود فكفاي دلالاً!” صدمتني كلماتها كصفعة على الوجه. “أختي؟ أنتِ من أردتِ إدارة البيت! أنتِ من كنتِ تقولين إنها لا تفعل شيئاً!” ردت بقسوة شديدة: “كنت أقول ذلك لأنها كانت تسكت! لكن البيت بيتك والمصاريف لا تكفي وأنا أريد أن أعيش حياتي، لست مجبرة على خدمتك!”

وفي تلك اللحظة بالذات.. وكأن غشاوة سقطت عن عيني دفعة واحدة.
تذكرت كيف كانت زوجتي تدير كل شبر في هذا البيت بصمت ودون أن تشتكي. تذكرت كيف كانت تبتسم في وجه أهلي رغم إهاناتهم، وكيف كانت تتدبر الميزانية المحدودة وتضع لي الطعام المطبوخ بحب، وتستقبلني بوجه ضاحك رغم تعبها.
لم تكن “دلعاً”.. كانت تتحمل، لأنها كانت تحبني، وكانت تظن أنني سأكون لها سندا.

تركْتُ أختي تصرخ ودخلت غرفة نومنا.
فتحت الخزانة.. أغراضها، ملابسها، عطرها المفضّل.. كل شيء كان هنا، إلا هي.
وقفت أمام المرآة التي طالما وقفت هي أمامها، فرأيت نفسي على حقيقتي: لستُ الرجل الكامل، ولا القائد العظيم.. كنتُ مجرد رجل أناني، هدم بيته بيده ليُرشي غروره وكبرياءه الفارغ. المواجهة المؤجلة
لم أستطع التحمل. أخذت مفاتيح سيارتي وخرجت كالمجنون متجهًا إلى بيت أهلها.
كانت المرة الأولى التي أذهب فيها إلى بيت أهلها دون موعد، بل والمرة الأولى التي أذهب فيها وأنا أشعر بالصغر والضآلة.

صعدت الدرجات وقلبي يدق كطبول الحر.ب. ض.ربت الباب.
فتحت لي والدتها.. نظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسى والازدراء، دون أن تنبس بكلمة، ثم تنحت جانباً لتسمح لي بالدخول. في الصالة، كان والدها يجلس وكتفي زوجتي في ح.ضنه. كانت تبدو مختلفة.. لم تكن تبكي، بل كان وجهها ناصع البياض، وصافياً بشكل أرعبني.
تقدمت خطوتين، وبصوت حشرجت فيه الغصة، قلت: “أنا جئت لأعيد زوجتي إلى بيتها.. ما حدث كان مجرد سحابة صيف، وأنا…”

قاطعني والدها برفع يده بوقار حاسم: “اجلس يا بني.” جلست على طرف الكرسي، وأنا أنظر إليها متوسلاً أن تنظر إليّ، لكنها كانت تنظر إلى الفراغ.
قال والدها بلهجة هادئة كالمو.ت: “ابنتي عاشت معك سنوات، لم تشتكِ يوماً من قلة المال، ولا من تعب البيت. كانت تقول دائماً: (زوجي عائلتي). لكنك لم تكن لها عائلة يا بني.. كنت لها سجاناً.” بلعت ريقي بصعوبة وحاولت الدفاع عن نفسي: “يا عمي.. أختي كانت في ضائقة، وكان واجبًا عليّ أن أقف بجانبها، وهي بيتها ومكانها…”

وهنا.. وقفت زوجتي.
نظرت في عيني بثبات لم أره فيها من قبل، وقالت بصوت ناصع كالحقيقة: “بيتُك كان مفتوحاً لأختك، ولكنه كان مغلقاً في وجهي أنا. مالك كان ملكاً للجميع، إلا أنا.. وكرامتي كانت المشجب الذي تعلق عليه أوهام سيادتك. أختك لم تسلبني بيتي.. أنت من قدمتني لها قرباناً لتثبت لنفسك أنك المالك الوحيد.” اقتربت مني خطوة واحدة، وأخرجت من حقيبتها ورقة مطوية، وضعتها على الطاولة أمامي: “هذه دعوى خلع.. لأنني اكتشفت أنني لم أكن يوماً زوجة في بيتك.. بل كنت مجرد غريبة.”

سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة.
الرجل الذي كان يظن أنه يملك كل شيء، يقف الآن في منتصف الغرفة.. مسلوب الإرادة، عارياً من سلطته، وقد خسر الوحيدة التي كانت تراه ملكاً، في اللحظة التي قرر فيها أن يتعامل معها كخادمة. نظرتُ إلى الورقة، ثم إليها.. وعرفتُ حينها فقط، أن العاصفة قد انتهت بالفعل، ولكنها لفت حول أعناقنا جميعاً، ولم تبقِ لي سوى جدران بيتي الباردة، وصوت أختي وهي تصرح بالشكوى من بيتٍ أطفأتُ نوره بيدي.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى