روايات

ست سـ,ـرقت الطفله من المستشفي

في ليلة باردة وهادئة، كانت “أمل” تقف أمام بوابة المستشفى، وعيناها تلمعان بدموع حبيسة وشوق لا ينتهي. كان صوت واحد يتردد في عقلها وقلبها باستمرار: “أنا نفسي يكون عندي بنت… نفسي أحس بالمشاعر دي ولو لمرة واحدة.” هذا الشغف الحارق جعلها تخطو خطوات جريئة نحو الداخل دون أن تفكر في العواقب. وصلت أمل إلى قسم حديثي الولادة، وحاولت رسم ابتسامة طبيعية وهادئة على وجهها لتخفي توترها وشغفها الشديد. اقتربت من الدكتور المتابع للقسم وقالت بنبرة خافقة: — “لو سمحت يا دكتور… أنا بنتي جوة، ممكن أدخل أشوفها؟”

نظر إليها الطبيب بلطف مبتسماً، ولم يشك لحظة في كلامها أو ملامحها الأمومية الصادقة، وقال لها: — “أكيد طبعاً، اتفضلي أدخلي.” دخلت أمل بخطوات مرتعشة، وما هي إلا لحظات حتى نادى أحد الممرضين بصوت عالٍ على الطبيب من نهاية الممر: — “يا دكتور! تعبت حالة في الغرفة 302 ومحتاجينك فوراً!” التفت الدكتور واعتذر منها سريعاً، ثم هرول لمساعدة المريض.

في تلك اللحظة، خيم الهدوء على المكان، ووجدت أمل نفسها مفردها أمام أسرة الأطفال الصغار. اقتربت بخطوات بطيئة نحو سرير خشب صغير، لتجد فيه طفلة جميلة كالقمر، ملفوفة بدثار وردي ناعم. لم تتمالك أمل نفسها؛ انحنت وحملت الطفلة بين ذراعيها، وحين لامس وجه الصغيرة صدرها، شعرت أمل بشعور دافئ أعمى بصيرتها عن أي شيء آخر. استغلت غياب الدكتور والممرضين، ولفّت الطفلة جيداً بمعطفها، ثم تحركت بسرعة نحو الباب الخارجي بخطوات متسارعة، وقلبها يخفق كالطبول.

لكن، في نفس اللحظة التي كانت تخرج فيها من الباب الرئيسي، كان الدكتور قد أنهى الفحص السريع وعاد متجهاً لنفس الممر، ألقى نظرة خاطفة على أسرة ا
لأطفال، فلاحظ فوراً الغطاء الفارغ والسرير الخالي! التفت الدكتور وسار بسرعة نحو المخرج ليرى أمل وهي تبتعد وتلتفت وراءها بارتباك واضح. في تلك اللحظة أدرك الكارثة، وصرخ بأعلى صوته وهو يجري خلفها في الممر: — “حرامية! امسكوا الحـ,ـرامية! سـ,ـرقت الطفلة!” ارتجفت أمل وسقطت من يدها حقيبتها، وزادت من سرعتها وهي تحتـ,ـضن الطفلة بقدسية وحب، بينما تعالت الأصوات والصيحات في المستشفى وخلفها خطوات الأمن والدكتور التي باتت تقترب منها شيئاً فشيئاً…

خرجت أمل من أبواب المستشفى وهي تركض بأقصى سرعتها، وحضنها يضم الطفلة بحماية وخوف شديدين. اختفت بين الأزقة الضيقة المحيطة بالمستشفى قبل أن يتمكن أمن المستشفى من اللحوق بها، واستقلت أول سيارة أجرة تصادفها لتستقر في شقتها القديمة بأطراف المدينة. هناك، أغلقت الأبواب والنوافذ جيداً، وأضاءت خفتاً، ثم جلست على الأرض تحتضن الطفلة والدموع تتساقط من عينيها فرحاً وخوفاً: “خلاص يا حبيبتي… أنتِ بنتي أنا دلوقتي، محدش هياخدك مني.” استنفار الأجهزة الأمنية

في هذه الأثناء، كان المستشفى يمر بحالة من الغليان. دقائق معدودة وكانت سيارات الشرطة تحيط بالمكان، وصافرات الإنذار تملأ الشارع. دخل ضابط المباحث إلى قسم حديثي الولادة ليبدأ التحقيق فوراً: فريغ الكاميرات: تفحصت الشرطة تسجيلات المراقبة التي سجلت ملامح أمل بدقة، بداية من دخولها وحديثها مع الطبيب، وحتى لحظة هروبها بالطفلة. نشر الأوصاف: تم توزيع صور أمل وأوصافها على كل الكمائن والشرطة العسكرية، ونُشرت التحذيرات في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “طفلة مخـ,ـطوفة من المستشفى العام”.

تتبع الأثر: تتبع رجال التحريات سير سيارات الأجرة التي مرت أمام المستشفى في تلك اللحظة، حتى وصلوا للسائق الذي أوصلها وأفاد بالحي الذي نزل فيه بالظبط. حصار المنطقة واللحظة الحاسمة خلال ساعات قليلة، كانت القوات الأمنية تطوق الحي بأكمله. تحركت عربات الشرطة بين الشوارع الضيقة، وبدأ رجال المباحث بالبحث والسؤال عن أي امرأة دخلت منزلها حديثاً وهي تحمل طفلاً صغيراً. في شقتها، كانت أمل تطعم الطفلة وتحاول تهدئتها، لكن صرخات الطفلة المتواصلة بسبب جوعها وعدم وجود مستلزمات كافية، إلى جانب صوت صافرات الشرطة التي بدأت تقترب من الشارع، جعلت جدران الغرفة تضيق عليها.

وفجأة… طرقات قوية ومتلاحقة على الباب! ارتجف جسد أمل بالكامل، ووقفت مشدوهة وهي تحتـ,ـضن الطفلة بقوة وتتراجع إلى الخلف، وصوت الضابط يختـ,ـرق الباب بنبرة حازمة: — “افتحي الباب يا أمل! المكان كله متأمن، والطفلةزم ترجع لأهلها!” انهارت أمل وسقطت على ركبتيها وهي تبكي بحـ,ـرقة، ممسكة بالطفلة التي تعالت صيحاتها، بينما بدأ رجال الشرطة باستعداداتهم للقتـ,ـحام وتخليص الطفلة بسلام…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى