رجعت البيت بدري لقيت امي مذ.نبه فى مراتي الحامل روحت البيت ببطء، دقات قلبي كانت سريقة ومش طبيعية. الساعة لسه مترين العصر، وأنا عادةً مش ببرجع غير على بالليل. فتحت الباب بالمفتاح وبهدوء عشان ما أحسش حد، بس اللي استقبلني جو جوه الشقة كان أغرب بكتير من إني أتصوره. المشهد الأول: صمت مريب مراتي “سارة”، الحامل في الشهر السابع، قاعدة على كنبة الصالون، باصة في الأرض وساهية كأنها مش في الدنيا دي. وأمي واقفة قدامها بالضبط، ماسكة كاس فيه مية وبتديهالها بنبرة صوت حادة وأوامر صارمة:
“اشربي المية دي كلها.. من غير كلام كتير، قلت اشربي!” سارة رفعت عينها باهتة، وعينها كانت حمرا كأنها كانت بتعيط ساعات طويلة، أخدت الكاس من أمي وشربت وهي مرتعشة، كأنها خايفة.. مش من أمي وبس، دي كأنها خايفة من ظلها! دخلت فجأة وأنا رافع حواجبي وصوتي عالي من الصدمة: “إيه اللي بيحصل هنا؟! إنتي جيتِ بدري يا أمي؟ وإمال سارة مالها.. باصة في الأرض كده ليه؟!” أمي اتلفتت بسرعة، وملامح وشها اتغيرت في ثانية واحدة من الجدية الصارمة للابتسامة المصطنعة المعتادة:
“أهلاً يا حبيبي.. رجعت بدري ليه؟ سارة كانت حاسة بدوخة بسيطة وكنت بساعدها تشرب مية وترتاح.. صح يا سارة؟” سارة قامت بسرعة ورجليها كانت بتخبط في بعض، قالت بصوت مبلوع ومستعجل: “أه.. أه يا حازم.. ماما كانت بتطمن عليا.. أنا טلعة الأوضة أرتاح.” مشيت سارة بسرعة ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها.. بس اللي لفت انتباهي ووقف قلبي مكانه: سارة وهي بتقوم، سابت ورقة صغيرة واقعة من إيديها على السجاد. المشهد الثاني: السر المخفي
قربت بهدوء وأنا عيني في عين أمي اللي كانت بتراقبني بنظرات تحذيرية صامتة. نزلت وخدت الورقة من على الأرض وفتحتها. الحروف اللي فيها كانت مكتوبة بخط إيد سارة، بس كانت مرعوشة والكلمات واضحة زي الصاعقة: “لو ما نفذتيش كلامي، هقول لحازم على اللي عملتيه يوم حادثة أخوه.. وهخليه يرميكي برة البيت، وابنك اللي في بطنك مش هتشوفيه تاني.”
عقلي وقف.. حادثة أخويا؟ أخويا “طارق” اللي مات في حادثة عربية من سنتين، وكلنا كنا فاكرينها قضاء وقدر وإن الكاوتش اتقطع فجأة! إيه اللي جاب سيرة طارق في الموضوع؟ وإيه علاقة أمي بالموضوع ده أصلاً؟ وليه سارة مستسلمة تماماً لأمي وكأنها مسجونة بتهديد مرعب؟ بصيت لأمي، ولقيت وشها باهت وعليها علامات الرعب وهي باصة للورقة اللي في إيدي. بصوت منخفض وخانق سألتها: “إيه ده يا أمي.. وإيه حكاية حادثة طارق؟ وسارة مستسلمة لكِ للدرجادي ليه؟!”
أمي بلعت ريقها بصعوبة، ونظرة القوة اللي دايماً متعود عليها في عيونها اتكسرت في لحظة. قعدت على الكنبة بضعف وهي بتبص للباب المقفول اللي دخلت منه سارة، وقالت بصوت واطي ومرتجف: “قعد.. اقعد يا حازم، وسمعني للاخر.. الحكاية مش زي ما أنت فاكر، ولا زي ما سارة فاكرة.” قعدت قدامها وأعصابي مشدودة على الآخر لدرجة إنها كانت بتترعش: “انطقي يا أمي! إيه علاقة سارة بحادثة طارق؟ وإيه الورقة دي؟ وليه سارة مرعوبة منك كده؟!”
أمي أخدت نفس عميق وقالت: “يوم الحادثة.. طارق الله يرحمه ما ماتش صدفة. الكاوتش ما اتقطعش لوحده.. أنا اللي كنت راكبة معاه العربية في المشوار ده، وسارة.. سارة كانت بالصدفة واقفة قدام الورشة وشافتني وأنا بفك صواميل الإطار بنفسي عشان أمنعه يسافر بالسفرية السودة دي اللي كانت هتبعتو في داهية مع ناس خطر!” اتسعت عيوني من الصدمة لدرجة حسيت إن عيني هتطلع من مكانها: “إنتي؟! إنتي اللي عملتِ كده في طارق؟! إنتي اللي تسببِ في موته؟!”
أمي هزت راسها بدموع نزلت غصب عنها: “كنت باحاول أنقذه من طريق الموت.. بس سارة صورتني بالفيديو من بعيد وهي مش متخيلة أنا بعمل إليه. لما طارق مات، سارة شافت الفيديو وفهمت كل حاجة.. ومن يومها وهي كاتمة السر وعايشة تحت رحمتي.. خايفة لو فتحت بوقها، أبلغ البوليس عن سر تاني خطير تخص عيلة سارة نفسها، سر لو سارة عرفت إن أنا أعرفه هتموت بحسرتها!” المشهد الرابع: المفاجأة الكبرى قبل ما أسأل عن سر عيلة سارة، باب الأوضة اتفتح فجأة وطلعت سارة وهي باصة لينا وعيونها كلها دموع، وقالت بصوت مكسور:
“مش قادرة يا حازم.. مش قادرة أستحمل اكتر من كده! مامتك مش بتשبتني عشان حادثة طارق وبس.. مامتك هي اللي… هي اللي قتلت أبويا زمان لما كان بيحاول يمنعها من سرقة ورثنا!” رجعت لورا خطوات وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. أمي قاتلة أبو مراتي.. ومراتي مستسلمة لأمي عشان أمي مهدداها تفضحها في سر طارق.. وكل واحد في البيت ده شايل سر أبشع من التاني!
بصيت لأمي اللي نزلت راسها في الأرض بلا حول ولا قوة، وبصيت لسارة الحامل في ابننا واللي واقفة تترعش قدامي.. بقيت واقف في نص إعصار من الجريمة والخداع، ولقيت نفسي بسأل سؤال واحد هيغير مصير عيلتنا كلها للابد: “يعني إحنا عايشين وسط بعض، وكل واحد فينا بيكره التاني ومخبي عنه جريمة.. هنكمل كده لحد امتى؟!” المشهد الخامس والأخير: مواجهة الحقيقة والقرار الأخير
الصمت ساد المكان لمدة ثواني، بس كان أصعب وأثقل من أي صوت ممكن تتخيله. جدران الشقة كأنها كانت بتضيق علينا كلنا. بصيت لأمي اللي بقت مكسورة قدامي، وبعدين بصيت لسارة وهي حاطة إيديها على بطنها البارزة وبترتجف من كتر البكاء. لقيت نفسي بتكلم بصوت أشبه بالهمس بس كان مليان غضب وقهر: “يعني إيه؟ يعني البيت اللي كنت فاكره آمن وحلو، ومتربي فيه على الأصول والحب، طلع عش دبابير.. كل واحد فينا جواه سم للثاني؟ إنتي يا أمي قتلتي جوزها.. وهي سكتت على موتي لأخويا عشان تخبي جريمة تانية.. وأنا الغلبان الوحيد اللي كنت عايش زي الأعمى!”
أمي رفعت راسها وقالت بصوت مأساوي وكل الدموع في عيونها: “يا حازم.. افهمني! أبوها الله يرحمه ما كانش راجل سوي، كان بياذينا وعايز يدمرنا، وأنا دافعت عن نفسي وعن عيلتي.. وطارق.. والله العظيم طارق لو كان سافر في العربية دي، كان هيقع في إيد عصابة تقتله أبشع موتة.. أنا فككت الصواميل عشان العربية تتعطل وما يسافرش، مش عشان يموت! الكارثة إنه اتحرك بيها وهي باظت منه في الطريق.. والله ما كنت أعلم إنها هتوصل للموت!”
سارة صرخت بصوت عالي وهي حاطة إيديها على ودانها: “كفاية! كفاية مبررات! أبويا مات.. وأخوكِ مات.. وإحنا بندفع ثمن أخطائكم وجرائمكم دي. أنا كنت ساكتة وخايفة لأن مامتك هددتني تفضح أهلي وتدمر سمعتنا، وكنت خايفة على ابني اللي في بطني يجي الدنيا يلاقي أمه وأبوه في السجن أو مطاردين.. بس خلاص.. طالما حازم عرف كل حاجة، أنا مش هقدر أكمل تمثيل ولا هقدر أعيش دقيقة واحدة وأنا خايفة!”
سارة دارت وشها وراحت ناحية أوضتها عشان تلم هدومها وهي منهارة. قلبي اتقطع من الناحيتين، أمي اللي ربتني وسهرت عليا طلعت شايلة السر ده كله لوحدها، ومراتي اللي بحبها وكانت عون ليا، طلعت عايشة معايا تحت سقف واحد وهي مرعوبة ومجبرة تسكت على عذابها بسبب تهديدات أمي. قربت من أمي، وبصيت في عيونها نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر غير الانكسار: “السر انکشف يا أمي.. والبيت ده مابقاش ينفع نعيش فيه بالشكل ده. الجرائم والتهديدات ما تصنعش حياة أسرية سليمة.”
وبعدين جريت على جوة ورا سارة اللي كانت بتحط هدومها في الشنطة وهي بتعيط وتترعش، مسكت إيديها بحزم وقلت لها بصوت دافئ وثابت: “رايحة فين يا سارة؟ ابني ومراتي مش هيطلعوا من البيت ده لوحدهم.. إحنا هنمشي كلنا.” سارة بصت لي باستغراب ودموعها نازلة: “هتروح فين يا حازم؟ هتعمل إيه مع مامك؟” رديت عليها وأنا باصص للباب بقرار نهائي لا رجعة فيه: