روايات

قصه اب عايز يشوف بنتة بس اهل طلقتي مش عايزين وده حقي ولازم اشوف بنتي

جلس أسامة في سيارته المطفأة أمام باب المجمع السكني، عينانه معلقتان بالنافذة في الدور الثالث. المحرك بارد، والجو يخيم عليه صمت ثقيل إلا من صوت دقات قلبه. ثلاثة أشهر مرت دون أن يلمس يدها، ثلاثة أشهر من الحجج الواهية: “اليوم عندها تمرين”، “البنت مريضة”، “مش فاضيين للزيارات دلوقتي”. ضغط أسامة على عجلة القيادة بكفّيه حتى ابيضّت مفافصله. القانون معه، والشرع معه، والأهم من كل ذلك: قلب الأب الذي يمزقه الشوق. لم يكن يريد مشاكل أو أروقة محاكم ترعب طفلته ذات السبع سنوات، لكن صبره ينفد، وأهل مطلقته يظنون أن صمته ضعف.

خرج من السيارة بخطوات حاسمة. صعد السلالم دون أن ينتظر المصعد، وكأن حنقه هو الذي يدفعه للأعلى. وقف أمام الباب المصفح، تنفس بعمق، ثم طرق الباب ثلاث طلقات هادئة ولكنها تحمل إصراراً لا يلين. فتحت الخالة الباب، وما إن رأته حتى تحفزت تقاطيع وجهها وقالت بجفاء: ـ “خير يا أسامة؟ ما قلنا لك إمبارح مفيش مقابلة الأسبوع ده، البنت بتذاكر.” وضع أسامة يده على طرف الباب يمنع إغلاقه، وقال بنبرة هادئة لكنها أصلب من الحديد: ـ “الخير إني جاي أشوف بنتي. ده حقي الشرعي والقانوني والإنساني، ومش همشي من هنا النهاردة غير وهي في حــ,,ـــــضني.. كفاية لحد كده.”

ارتفع صوت الخالة، وخرج الجد من الداخل تتطاير من عينيه الشرر: “إنت جاي تهددنا في بيتنا ولا إيه؟ البنت مش نازلة، ورجلك ما تطأش العتبة دي ثاني!” بدأ النقاش يحتدم، والأصوات تعلو في الممر، وأسامة واثق في موقفه، يقف كالجبل ورغم كل هذا الهجوم لم يتراجع إنشاً واحداً. وبينما كان الجد يستعد لإغلاق الباب بالقوة وهو يهدد باستدعاء الأمن… حدث ما لم يتوقعه أحد. من أقصى الطابق الداخلي للشقّة، انفصل صوت صغير، نقيّ، ومرتفع كشعاع نور شق هذا الظلام:

“يا باباااااا… تعال!” توقف الزمن لثانية. انقطعت أنفاس الجميع. كانت “ليان” قد تملصت من يد والدتها في الداخل، وركضت بدموعها وساقيها الصغيرتين نحو الباب، غير أبهة بصرخات والدتها خلفها. انكسرت قسوة الموقف في لحظة. تجمد الجد في مكانه، وأسامة لم ينتظر إذنًا من أحد؛ دفع الباب بخفة وركض لنصف المتر الفاصل بينهما، وجثا على ركبتيه على الأرض فتحاً ذراعيه لأوسع مدى. ارتمت “ليان” في حــ,,ـــــضنه كأنها طير وجد عشه بعد عاصفة هوجاء. تشبثت بعنقه بكل قوتها، وكانت تبكي وتكرر في أذنه: “يا بابا تعال.. ما تمشيش وتسيبني تاني، أنا مستنياك من بدري.”

ضمها أسامة إلى صدـ,,ـــره بقوة، ودموعه تسقط على شعرها، ملغية كل المسافات والأحقاد. نظر إلى الجد وإلى المطلقة الواقفة بعيداً، وقال وهو يمسح على رأس ابنته بنبرة ملؤها القوة والحنان: ـ “سمعتم؟ البنت هي اللي بتنادي.. ومفيش قوة على الأرض هتقدر تمنع أب إنه يلبي نداء بنته.” عمّ الصمت الشقة، وسقطت كل الحجج أمام دمعة طفلة تشبثت بأبيها، ليدرك الجميع أن المعركة قد انتهت، وأن حق الأب لا يمكن لحجم الكره أن يمحوه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى