روايات

جوزي عليه عشان انا مش بخلف

جوزي عليه عشان انا مش بخلف وانا قولتو انا موافقه انك تجوز بس انا هكون في بيت وهي في بيت جوزي فرح اوي وراح عشان يجوز لكن ربنا اكرمني وبقيت حامل والقصه اتقابلت شخصت الأبصار نحو شريط الاختبار الصغير الملقى على طرف الحوض. خطان أحمران باديان بوضوح لا يقبل اللبس.

سقطت على ركبتي فوق بلاط الحمام البارد، ويداي ترتجفان وهي تمسكان بذلك البلاستيك الصغير الذي يحمل في طياته دمار عالمٍ أُعيد بناؤه للتو، أو ربما إحياء روح كانت قد ماتت في صدـ,,ـــري. تسارعت أنفاسي، وتمتمت بدعاء مبهم لم أدرِ كيف خرج من بين شفتي. سنوات طويلة من الركض بين عيادات الأطباء، ومئات الحقن، والأدوية، ونظرات العطف القاتلة من أهل الزوج، والهمسات المفككة في المناسبات الاجتماعية… كل ذلك الفقد والكسرة اختفى في لحظة أمام هذين الخطين.

لكن النشوة لم تدم سوى ثوانٍ معدودة قبل أن يصفعني الواقع: سامح الآن في بيت أهل عروسه الجديدة، يقرؤون الفاتحة! أتذكر قبل أسبوعين فقط كيف جلس أمامي على العريكة، ينظر إلى الأرض بعينين يكسوهما الذنب والرجاء في آن واحد. قال بصوت خفيض: “أنا بحبك يا فاطمة، والله يعلم إني مش شايف غيرك… بس أنا نفسي أكون أب. نفسي أسمع كلمة بابا قبل ما أعدي الأربعين. وأمي كل يوم بتتكلم في الموضوع ده.”

في تلك الليلة، لم أصرخ ولم أبكِ أمامه. ارتقيت بكبريائي فوق جرحي النازف، وقلت له بهدوء يسبق العاصفة: “حقك يا سامح. أنا مش هقف في طريق حلمك، ولا همنعك تكون أب. أنا موافقة إنك تتجوز… بس بشرط واحد لا فصال فيه: هي في بيت، وأنا في بيت. مش هشوفها ولا تشوفني، وحياتي المستقلة خط أحمر.”

يومها، لم يستطع سامح إخفاء الفرحة التي أضاءت وجهه. قام وقبل رأسي بحرارة، واعتبر أنني خففت عنه جبالاً من الذنب. بدأ يسابق الزمن؛ يتصل بالخطّابات، يسأل، يتردد على البيوت، حتى وجد مبتغاه في فتاة أصغر منه بسنوات. وخلال أيام، كانت الترتيبات تجري على قدم وساق، واليوم… اليوم تحديدا، يقطع القول باليقين ويقرأ الفاتحة. مسحت دموعي بسرعة، وقمت وأنا أشعر بقوة غريبة تسري في جسدي. لم تعد فاطمة الضعيفة المكسورة التي ترتضي بالحلول الوسط. الآن في أحشائي روح جديدة، طفل سيعيد ترتيب كل الأوراق.

اتصلت برقم سامح. رن الهاتف مرة، مرتين، وفي الثالثة أتاه صوته مبتلجاً، وفي الخلفية ضجيج أصوات وأغاريد خفيفة: “أيوة يا فاطمة… خير يا حبيبتي؟ أنا عند الناس دلوقتي وبنخلص.” قلت بصوت حاسم خالي من أي نبرة انكسار، صوت يقطع الحديد: “سامح… اسمعني كويس وركز في كل كلمة هقولها. الخطوبة دي لو تمت، والجوازة دي لو كملت… تطلقني فوراً. ورقتي توصلني قبل ما تدخل بيتك.”

صمت الضجيج في الطرف الآخر فجأة، وكأن الأثير أكل صوته. ثم جاءني صوته مذهولاً، متلعثماً: “أنتِ بتقولي إيه يا فاطمة؟! إحنا مش كنا متفقين؟ أنتِ اللي وافقتي وقلتِ كل واحدة في بيت! إيه اللي اتغير فجأة؟ أنتِ عايزة تصغريني قدام الناس؟” قلت له وأنا أضع يدي على بطني بثبات: “اللي اتغير إن ربنا أكرمني… أنا حامل يا سامح.” ساد صمت رهيب على الخط. لم أسمع سوى أنفاسه المتصاعدة كأنها مرجل يغلي. تحولت المهرجانات التي في خلفيته إلى صداع مبهم. سأل بنبرة يمتزج فيها الشك بالذهول والذهول بالرجاء: “حـ… حامل؟ أنتِ بتتكلمي جد؟ بتضحكي عليّ عشان أرجع؟”

رددت ببرود: “التحليل قدامي، والمستشفى على بعد خطوات. لو عايز تتأكد تعالَ خذني نروح لنفس الدكتورة اللي قالت إن مفيش أمل. بس افتكر… لو خطوت خطوة واحدة زيادة في طريقك ده، الجنين ده هيتولد وأبوه مش معايا. اختار يا سامح: يبدأ حلمك معايا ومع ابنك، أو تختار العروسة الجديدة وتبدأ حياتك بعيد عني وعن ابنك.. قدامك دقيقة واحدة تتصرف فيها مع الناس اللي عندك.” قفلت الخط في وجهه دون أن أنتظر إجابة.

مرت نصف ساعة وكأنها دهر. كنت أجلس في الصالة، أسكب لنفسي كوباً من الماء البارد، ويداي لم تعد ترتجفان. حسمت أمري تماماً؛ إن جرح كبريائي لسنوات لم ي. حبي له، لكنه علمني أن للكرامة ثمناً لا يمكن التفاوض عليه. وفجأة، انفتح باب الشقة بقوة. دخل سامح يلهث، وجهه شاحب، يده ترتجف وهو يمسك بمفاتيح السيارة. ينظر إليّ وكأنه يراني لأول مرة منذ سنوات. لم يقل كلمة، بل سار بخطوات وسعى ونزل على ركبتيه أمامي، ثم أخرج من جيبه التحليل الذي تركته على الطاولة.

نظر إليّ ودمعة حائرة في عينيه وقال: “مشيت من عندهم يا فاطمة… سبت العصير واستأذنت وقلت لهم ظرف طارئ وجيت ركض. قولي لي إنك مش بتعاقبيني.. قولي لي إن الشريط ده حقيقي.” أمسكت بيده ووضعتها على بطني، وقلت له وأنا أنظر في عينيه بصلابة: “حقيقي… ربنا كفاني وكفاك. بس القرار لسه في إيدك. أنا مش هقبل أكون نصف زوجة، ولا هقبل إن ابننا يتربى وهو شايف أمه مجروحة. لو عايز الجوازة التانية، ربنا يسعدك، بس أنا خارج المعادلة دي.”

احتضن سامح رأسي وبكى كما لم يبكِ رجل من قبل. كان يستغفر ويحمد الله في نفس النفس، تتداخل كلماته بين الشكر لله والاعتذار لي. مرت الأيام التالية وكأنها المخاض الحقيقي لحياتنا. كان عليه أن يواجه عائلته التي شاطت غضباً من تراجعه المفاجئ، وواجه أهل الفتاة الذين اعتبروا تصرفه إهانة لهم، ودفع تعويضات معنوية ومالية ليغلق ذلك الملف للأبد. خاض سامح معركته الخاصة ليرمم ما هدمه حــ,,ـــــرقته على الأطفال، بينما كنت أنا أرمم نفسي وأستعد لاستقبال المعجزة التي غيرت مجرى حياتنا.

واليوم، وأنا أجلس في غرفة الأطفال، أراقب سامح وهو يحمل ابننا “يوسف” ويحاول إغفاءه بنغمات بصوته النشاز، أبتسم وأتذكر تلك الليلة. لقد تعلمت أن التنازلات في الحب قد تُفهم أحياناً على أنها ضعف، وأن مواجهة الموقف بكرامة وقوة هي الوحيدة التي تبني للطفل بيتاً حقيقياً مستقراً قائمًا على الاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى