روايات

قصه لاقيت جوزي دخل بمراته الجديد

أنا كنت واقفة في المطبخ، حاطة الملاية اللف على جنب، وبقلب صينية البطاطس باللحمة اللي جوزي “سيد” بيحبها من إيدي. بقالنا سبع سنين متجوزين، وعشنا الحلوة والمرة سوا، مسنداه خطوة بخطوة لحد ما وقف على رجليه وبقى عنده ورشة النجارة بتاعته.. كنت فاكرة إن الحب والوفا هما الأكتاف اللي شايلة بيتنا. الباب اتفتح.. سمعت صوت مفاتيحه. بتسمت وقمت مسحت إيدي في الفوطة وقلت:
– “حمد الله على السلامة يا سيد.. الميعاد بدري النهاردة يعني، الشغل خلص ولا…”

الكلام وقف في زوري. سيد داخل، بس مش لوحده.. داخل ومسك إيد واحدة لابس عباية قطيفة شيك، ومكياج كامل، وطرحة مدلدلة على كتفها بنطـ,ـاعة. عيني جات في عينها.. الدنيا لفت بيا، والقلب اتعصر عصرة مـ,ـوتها!
دي مش أي حد.. دي شيرين! أقرب صاحبة ليا، اللي كانت بتاكل معايا في طبق واحد، اللي حكيتها على كل سر في حياتي، اللي كانت تقعد تقولي: “يا بختك بسيد يا شيماء.. ده راجل سيد الرجالة!”

رجلي مابقتش شايلاني، ومسكت في طرف الترابيزة وأنا حاسة إن الهوا اتقطع عن صدري. بصيت لسيد ودموعي نزلت من غير ما أحس:
– “سيد؟ مين دي؟ وإنت ماسك إيدها كده ليه؟” سيد بَصّ للحيطة، ورفع راسه بجمود وقال بصوت واطي بس جامد:
– “دي شيرين يا شيماء.. مراتي الجديدة. على سنة الله ورسوله، وجايبها تعيش هنا معاكي.” صرخت بعالي صوتي، الصوت طلع من وجع قلبي هَز جدران الشقة:
– “مرتك؟! إنت بتتكلم جد ولا بتتحك عليا؟! شيرين؟ شيرين يا سيد؟!”

لفت ناحية شيرين، وقربت منها وأنا بصدماتي مش مصدقة، مسكتها من دراعها بغل ودموعي مغرقة وشي:
– “أنتي؟ أنتي تعملي فيا كده؟ تاخدي جوزي مني يا شيرين؟! ده أنا كنت بفتحلك بيتي وأحكيلك همي، تقومي تطعـ,ـنيني في ضهري وتخـ,ـربي بيتي؟!”

شيرين شدت دراعها مني بمنتهى البرود، وعدلت طرحتها، وبصتلي بثقة وصوت مليان لؤم وهي بترد عليا بلهجة مستفزة:
– “جرى إيه يا حبيبتي؟ جرى إيه يا شيماء؟ إيه اللي تخربي بيتي وتاخدي جوزك مني دي؟ هو أنا سحبته من إيده بالعافية؟ جوزك هو اللي بيجري ورايا من زمان! من سنين وهو بيكلمني وبيتحايل عليا أوافق عليه.. جوزك بيحبني أنا يا عينيا، ومش شايف حد غيري!” الكلمة نزلت عليا زي قلم سـ,ـكين.. بصيت لسيد وأنا بهز راسي ومش مصدقة:
– “بيحبك؟ بتجري وراها من زمان يا سيد؟ بتخونني مع صاحبتي وفي بيتي ومن ورايا؟ وبتحبها كمان؟!”

سيد ما نطقش، وطأ راسة في الأرض يسكت، بس سكوته كان الاعتراف الأكبر اللي ذبحني. مسحت دموعي بإيدي بغضب، ورفعت راسي للسما.. الوجع اتحول لنار بايدة جوايا. بصيت لسيد في عينه وقلتله بنبرة شعبية حادة مفيهاش رجعة:
– “خلاص يا ابن الناس.. لحد هنا وخلصت الحتوتة. اللي يبيعني بعشرة أبيعه ببلاش، واللي يوطي راسه للرخيص يفضل طول عمره في القاع. إنت لازم تطلقني حالا بالثلاثة! ورقتي تطيح قبل ما أخطو خطوة واحدة برة الباب ده، وبيتك العالي ده اشبع بيه إنت وهي!”

سيد اتخض من نبرتي وشدني:
– “شيماء.. استهدي بالله، إنتي أم عيالي وماستغناش عنك…” – “تستغنى ولا ماتستغناش ما يلزميش!”.. قطعت كلامه بعلو صوتي. “اللي يستغفلني ويدخل عليا ضرة من لحمي ودـ,ـمي وصاحبتي.. يبقى مالوش مكان في حياتي. ارمي عليا اليمين يا سيد، بدل ما نخلي الشارع كله يسمع حكايتك!”

سيد شاف في عيني الرفض والكرامة اللي أبرد من الحديد، وعرف إن شيماء البسيطة المطيعة مـ,ـاتت في اللحظة دي.. نطق اليمين وصوته بيرتعش، وأنا لميت هدومي في شنطة واحدة، ومشيت وأنا رافعة راسي، سبتله البيت بالحزن والخيـ,ـانه اللي فيه، وأنا عارفة إن ضـ,ـربة الكرامة بتوجع، بس الوجع الأكبر هيبقى عنده هو لما يكتشف إن اللي خانت صاحبتها عمرها ما هتصونه.
باااااااقي القصه

عدت الأيام والأيام، وشيماء خرجت من البيت مرفوعة الراس، رجعت لبيت أهلها بشنطة هدومها وكرامتها، وقفلت باب الماضي بالضبة والمفتاح. مسحت دموعها وشمرت عن إيدها، واشتغلت وركزت في حياتها لحد ما فتحت مشروعها الصغير، وبقت ست كل من شافها يحلف بجدعنتها وقوتها. في الناحية التانية، كان “سيد” فاكر إن الدنيا ضحكتله، وإن الشقة فضيتله هو و”شيرين”. أول شهرين كانوا عايشين في عسل مسـ,ـموم.. فسح وخروج وصرف، وشيرين كانت كل يوم بطلبات جديدة: – “يا سيد عاوزة غير عفش الصالة ده.. أصل أذواق مراتك القديمة تقيلة على قلبي!” – “يا سيد هاتلي دهب زي بتاع فلانة، هو أنا أقل منها؟”

سيد، اللي كان فاكر إنه اتجوز “ست الستات”، بدأ يفوق على الواقع المُر. شيرين ما كانتش بتعرف تطبخ لقمة، البيت بقى يضـ,ـرب يقلب، والورشة بدأت تتأثر عشان الفلوس اللي بتتشفط أول بأول على الفشخرة والمظاهر. والأدهى من كده، إن الطبع يغلب التطبع.. شيرين اللي خـ,ـانت صاحبتها الأنتيم ودخلت بيتها سـ,ـرقت جوزها، ما كانتش بتعرف تحفظ سر ولا تصون بيت. بدأت المشاكل تزيد يوم عن يوم، وصوتهم يجيب آخر الشارع: – “إنتي فاكرة نفسك مين؟! ده أنا اللي عملتك بفلوسي وعرقي!” – “فلوسك إيه يا أبو فلوس؟ ده أنت أصلك حتة نجار، وأنا اللي وافقت بيك ورضيت بالهم!”

في يوم من الأيام، سيد رجع من الورشة تعبان وشقيان، قعد على الكنبة ولحس شـ,ـفايفه عطشان.. افتكر شيماء لما كانت بتبتسم في وشه، وتقدم له كوباية العصير الساقع أول ما يدخل، وتسأله عن يومه بشوق وحنية. بص حواليه، لقاه كركبة، وشيرين قاعدة على التليفون بتضحك وبتتكلم مع أصحابها ومطنشاه خالص. سيد هبد الباب وقال بغل: – “هو أنا شغال أكل واشرب وأصرف على الست هانم عشان تقعد تلعب في التليفون؟! فين الأكل؟ فين الراحة اللي كنت بتقوليلي هتشوفها معايا؟”

شيرين قامت وقفت بثبات ولؤم، وبصتله بقرف: – “هو أنت جاي تطلع قـ,ـرف الشغل عليا؟ أنا مش خدامة هنا زي مراتك الأولى! لو مش عاجبك طلقني، أنا ألف مين يتمتاني!” هنا سيد حس إن الغشاوة اتقشعت عن عينه، وعرف إن شيماء كانت الذهب الأصلي، وشيرين كانت مجرد قشرة فالصو ملهاش أي قيمة. غضبه طفح وصوته جاب آخر المنطقة: – “طلقني؟! والله ما أنتي قاعدة فيها ثانية واحدة! أنتي طالق يا شيرين.. طالق بالثلاثة! ورجلك ما تطأش البيت ده تاني!”

رمى عليها اليمين ورمى هدومها في الشارع، وشيرين لفت وشها ومشت ولا فارق معاها، لأنها أصلًا ما كانتش بتحبه، كانت عاوزة تاخده جُكر من صاحبتها وخلاص. سيد قعد في الصالة الفاضية الضلمة، حاطت راسه بين إيديه.. الندم كان بياكل في قلبه زي النار. افتكر شيماء، طهرها، وإخلاصها، ووقفتها جنبه في الفقر قبل الغنى. تاني يوم الصبح، لبس سيد أنضف ما عنده، ومشي في الشارع يجر رجليه لحد بيت أهل شيماء. وقف تحت البلكونة وقلبه بيدق زي الطبلة.. استنى لحد ما شافها نازلة رايحة شغلها، كانت منورة وواثقة في نفسها.

جري عليها ووقف قدامها، وشه أصفر والندم باين في عينيه: – “شيماء.. أرجوكي اسمعيني!” شيماء وقفت، وبصتله بنظرة هادية جبلية، مفيهاش ولا نقطة ضعف ولا حتى كره.. نظرة استغناء كامل: – “خير يا سيد؟ في حاجة ضايعة منك هنا؟” سيد نزل على ركبته تقريبًا في الشارع، وصوته بيترعش: – “أنا غلطت يا شيماء.. اتبكيت وعرفت قيمة الجوهرة اللي كانت في إيدي. أنا طلقت شيرين وشطبتها من حياتي للابد.. ارجعيلي يا شيماء، البيت ضلمة من غيرك، وأنا مستعد أكتبلك الشقة والورشة باسمك، بس سامحيني وارجعيلي!”

شيماء ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة كبرياء، وقربت منه خطوة وقالت بصوت هادي سمع كل اللي واقفين: – “اللي بيتكسر ما بيتصلحش يا سيد.. واللبن اللي اندلق ما بيرجعش الكوباية. إنت طلـ,ـقتني عشان واحدة رخيصة، ودلوقتي جاي ترجعلي لما شربت من نفس الكأس. الشقة والورشة خليهم لك، أنا كسبت نفسي وكرامتي.. وده عندي بالدنيا كلها.” سبته واقف في نص الشارع والناس بتبص عليه بالشفقة والشـ,ـماتة، ومشيت بخطوات ثابته وهي عارفة إن القصة انتهت، وإن ربنا جاب لها حقها لحد عندها من غير ما توسخ إيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى