خرج راجل… جسمه مهدود، ظهره محني، شعره بقى أبيض زي التلج، ولابس هدوم قديمة ومبهدلة. مش ده عمي هشام اللي كان مالي هدومه وضحكته بترج المكان! الراجل ده كان كأنه خيال لمسجون قديم. أول ما شاف الضوء والشمس، غمض عينه بوجـ,ـع، ووقف في مكانه كام ثانية يستوعب إنه بره الأسوار. أنا ساعتها نسيت كل حاجة… نسيت تهديد أبويا، نسيت غضب أمي، نسيت الـ تمانمية كيلو والتعب. أخدت نفسي وجريت عليه، ودموعي سبقتني: «عمي! عمي هشام!»
قربت منه وأنا فاتح إديا عشان أضمه، عشان أقوله إن فيه حد لسه فاكره، إن فيه حد في العيلة دي منسيش الجميل. بس أول ما قربت منه على مسافة خطوة واحدة… اتسمرت في مكاني. عمي بصلي… بس النظرة مكنتش نظرة شوك، ولا لهفة، ولا حنين. كانت نظرة ميتة… مليانة جفاء وغل وتعبير مرعب يخلي الشعر يقف. رفعت إيدي بالراحة عشان ألمس كتفه، بس هو رجع خطوة لورا بقسوة. ومن غير ما ينطق حرف واحد… رفعت إيده الفاضية، وراح ضاربني بالقلم على وشي!
صوت ضـ,ـربة القلم ير في الخلاء اللي حوالينا. وشي اتسحب منه الدم، ووداني بدأت تصفر. وقفت مش فاهم حاجة، ماسك خدي بإيدي وبصص له بذهول وأنا مش مصدق. عمي قرب من وشي، وعينه كانت مليانة نظرة كره عمري ما شفتها في حياتي، ووطى بصوته الفحيح اللي يخوف وقال بصوت واطي ومبحوح: «إيه اللي جابك يا ابن…؟ إنت جاي تتفرج عليا ولا جاي تضمن إن السر أتدفـ,ـن معايا؟» «عـ… عمي؟ أنا حازم… أنا جيت عشان أسندك ونرجع سوا…»
عمي ضحك ضحكة جافة، خالية من أي رحمة، وقال وهو بيشاور بإيده في وشي بتهـ,ـديد: «ترجعني؟ ترجعني للبيت اللي أبوك وأمك رموني في القفص ده عشان ياخدوا نسيبي منه؟ ولا للبيت اللي إنت عايش فيه بفلوس الشيكات اللي أنا شيلت سجنها بدال أبوك عشان يحميك إنت وأختك؟!» الكلام نزل عليا زي الصاعقة! عقلي اتوقف عن التفكير، ورجليا مكنتش شايلاني… شيكات؟ سر؟ سجن بدال أبويا؟!
كمل عمي بحدة وهو بيزقني في صدري بكل قوته: «أبوك هو اللي كان صاحب القضية يا حلو! أبوك اللي أكل حق الناس وزور إمضتي، ولما الشرطة جردت حسابه، جه رجاني على ركبه وقال لي: “لو دخلت السجن حازم وأخته هيتشـ,ـردوا، شيلها أنت يا هشام وأنا هرد لك حقك وهصرف على عيلتك”. وأنا الهبل دخلت بداله عشر سنين من عمري… عشر سنين بتمـ,ـوتني كل يوم!»
دموعه نزلت فجأة، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر: «وفي الآخر… قطعوا بيا، ومحدش زارني، ورموني زي الكلاب، ومسحوا اسمي عشان خايفين أخرج وأطالب بقعتي وأفضح المستور! وهما مفهمينك إن أنا الستار الشرير عشان لما أخرج تكرهني وما تسمعليش!» مسكني من زق أقمشتي وبص في عيني بشرارة: «إنت جاي ليه دلوقتي؟ جاي عشان تمثل عليا دور الابن البار؟ غور من وشي يا حازم… ورجع العربية دي لأبوك، وقوله هشام خرج… والعد التنازلي لخراب بيتكم بدأ من النهاردة!»
نفض إيده مني بضغينة، ومشي بظهره المحني وخطواته السريعة من غير ما يلتفت ورا، وسابني واقف في الشارع الطويل الصحراوي، كأني لوحي متجمد. الـ تمانمية كيلو اللي قطعتهم… والخنـ,ـاقة اللي خسرت فيها أهلي… والصورة اللي كانت في خيالي عن البطل اللي أنقذني من الترعة… كل حاجة انهارت في ثانية واحدة. فهمت ساعتها ليه أبويا كتب «مش رايح». فهمت ليه أمي قالت لي «بلاش تحط إيدك في إيده». وفهمت ليه العيلة كلها تصرفت كأن الراجل ده عمره ما كان موجود في الدنيا أصلاً… هما مكنوش خايفين منه عشان هو رد سجون… هما كانوا مرعوبين من الحقيقة اللي شايلها معاه وهو طالع!
ركبت عربية أبويا وأنا جسمي كله بيتراشف. بصيت للتليفون اللي كان بيتيجي عليه مسجات وبلاوي. شاشة التليفون نورت بمكالمة جديدة من «أبويا». فتحت الخط… بس المرة دي، مكنتش عارف أقول إيه، ولا مين فيهم الظالم… ومين المظلوم.