قصه مراتي بتضــ,,ـــــرب امي وانا مش موجود وتخليها تخدم في البيت وتروق الشقه ومراتي تقولي انا اخدم امك اريحه اخير راحه تاني يوم عملت نفسي رايح الشغل واستخبيت سمعتها بتقول لامي امي روقي انت هتفضلي تاكلي زي البهايم وانا كنت مصدوم جدا دخلت قولتها انتي بتقولي لامي كده هي ترد عليه انا بهزر خرجت صباحاً كعادتي، مودّعاً زوجتي بابتسامة بعد أن ودّعتُ أمي المريضة المقعدة. كانت أمي قد انتقلت للعيش معنا منذ ستة أشهر بعد وفــ,,ـــــاه والدي وتدهور صحتها، وكانت زوجتي دائماً تتظاهر أمامي بالحب الشديد والرعاية الفائقة لها.
قبل خروجي، نظرتُ إلى زوجتي وقلت لها: “بالله عليكِ يا سمر، ركزي مع أمي اليوم، العلاج في موعده، ولو احتاجت أي شيء ساعديها، هي لم تعد تقدر على خدمة نفسها.” ابتسمت سمر ببراعة ورسمت على وجهها علامات الحنان المزيّف، وقالت بثقة: “عيب عليك يا محمود! دي أمك زي أمي بالظبط، متقلقش خالص.. أنا أخدم أمك وأريحها أخير راحة، ادخل أنت شغلك بالبال المرتاح!”
اطمأن قلبي لكلامها المعسول، ولكن في الطريق، أدركتُ أنني نسيت بعض الأوراق الهامة الخاصة بالعمل على الطاولة. عدتُ أدراجي إلى البيت بعد أقل من عشر دقائق. فتحتُ باب الشقة بهدوء شديد حتّى لا أزعج أحداً، وقبل أن أنادي، سمعتُ صوتاً مرتفعاً ونبرة حادة غريبة قادمة من صالة المعيشة. توقفتُ في مكاني مصدوماً، واستخبيت خلف الجدار الممتد نحو المطبخ.. كانت زوجتي تقف فوق رأس أمي المسكــ,,ـــــينة، الممسكة بفرشاة التنظيف وتحاول مسح الأرضية بيديها المرتعشتين وهي تبكي بصمت.
صرخت زوجتي في وجه أمي بقسوة قائلة: “أمي روقي وسرّعي يدك شويّة! أنتِ هتفضلي تاكلي زي البهايم وتنامي من غير ما تعملي حاجة في البيت؟ يلا اخلصي، الشقة دي لازم تبرق قبل ما يرجع محمود!” ثم قامت بضــ,,ـــــرب أمي على ظهرها بيدها بكل قسوة لتعجلها في التنظيف. تجمّد الدم في عروقي، وشعرتُ بأن الأرض تدور بي. لم أصدّق عينيّ ولا أذنيّ؛ هذه المرأة التي أدّت دور القديسة أمامي، تذلّ أمي وتجبرها على الخدمة وترويق الشقة وتضــ,,ـــــربها وهي بهذه الحالة الصحية!
خرجتُ من مخبئي كالبركان المنفجر، ودخلتُ الصالة مصدوماً وصرختُ بصوت هز أرجاء الشقة: “أنتِ بتقولي لامي كده؟! وبتمدي إيدك عليها كمان?!” سقطت الممسحة من يد أمي وهي تنتفض خوفاً، بينما شحب وجه سمر وتغيرت ملامحها في ثوانٍ، وحاولت استدراك الموقف بارتباك شديد ورسمت ابتسامة صفراء باهتة وقالت: “محمود! أنت رجعت إمتى؟ ياه.. أنت فهمت غلط خالص! أنا.. أنا بهزر معاها بس عشان أشجعها تتحرك والطبيب قال لازم تمشي أطرافها، مش أكتر والله!”
اقتربتُ منها وعيناي تطرد الشرار، وقبل أن تكمل كذبها المفضوح، أوقفتها بصرخة جعلتها تتراجع للخلف. ركضتُ نحو أمي وجلستُ عند قدميها أقبّل يديها ورأسها وأنا أبكي بحــ,,ـــــرقة، بينما أمي تشير لي بيديها المرتعشتين وتقول: “خلاص يا بني، متخربش بيتك، أنا كويسة…” رفعتُ رأسي إلى سمر وقلت لها بنبرة صلبة لا رجعة فيها: “تهزري؟ بتسمي إهانة أمي وضــ,,ـــــربها واستعبادها هزار؟ أنتِ بجد معندكيش دين ولا ضمير ولا أصل! أنا اللي كنت أعمى ومخدوع فيكِ.”
حاولت التوسل والتبرير، لكنني جمعت كل أغراضها في حقيبة واحدة وألقيتها عند الباب، وقلت لها: “أنتِ طالق بالثلاثة، ومشوفش وشك في البيت ده تاني.” خرجت تبكي وتصرخ، لكن قلبي كان قد مات من ناحيتها تماماً. كرسّتُ كل وقتي بعد ذلك لرعاية أمي والتكفير عن تقصيري وغيرتي المفاجئة تجاه ما كانت تتعرض له في غيابي دون أن تشتكي لي، خوفاً على بيتي من الخراب. مرّت السنوات.. وجاء وقت السداد:
دارت الأيام، وعاشت سمر حياتها بعد طلاقنا وتزوجت من شخص آخر، ورزقها الله بابنة جميلة كبرت وأصبحت في سن الزواج. كانت سمر تتعامل مع الجميع بغرور وقسوة، وظنت أن الصفحات القديمة قد طويت وأُغلقت للأبد. لكن العدالة الإلهية لا تنام. بعد أن كبرت ابنتها وتزوجت، انتقلت سمر للعيش مع ابنتها وزوجها بعد أن أصابها مرض شديد في المفاصل أضعف حركتها وجعلها عاجزة عن خدمة نفسها.
وفي يوم من الأيام، علمتُ من أحد الأقارب المقربين بما حدث لها.. ابنتها الوحيدة -التي ربتها وسهرت عليها- أصبحت تعاملها بنفس القسوة والغل! تصرح في وجهها، وتجبرها على تنظيف المطبخ وجمع القمامة وهي تتألم، بل ووصل بها الأمر إلى ضــ,,ـــــربها على يديها إذا أخطأت أو قصرت في خدمة البيت! وعندما كانت سمر تبكي وتبكي وتشتكي لزوج ابنتها عما تفعله بها، كانت الابنة ترد ببرود وضحك ساخر أمام زوجها: “أنا ببهزر مع ماما عشان تلعب رياضات ومتمــ,,ـــــوتش وهي قاعدة!”
تذكرت سمر في تلك اللحظة -وهي تبكي على الأرض ممسكة بفرشاة التنظيف بيدين مرتعشتين- نفس الكلمات، ونفس المشهد، ونفس النبرة التي عاملت بها أمي قبل سنوات طويلة. حينها فقط بكت سمر بحــ,,ـــــرقة وأدركت القافية القاسية للحياة، وأن كل دمعة سقطت من عين أمي المظلومة عادت لتسقط من عينها مضاعفة.. أدركت تماماً أن كما تدين تدان، وأن الحق لا يمــ,,ـــــوت، وأن الله يمهل ولا يهمل أبداً.