روايات

في ثانية واحدة اتفصلت من شغلها لأنها ساعدت ست كبيرة.

في ثانية واحدة اتفصلت من شغلها لأنها ساعدت ست كبيرة… لكنها ماكنتش تعرف إن ابن الست كان واقف بيتفرج، وإن القرار اللي أخده بعدها هيقلب حياتها كلها!
في عز زحمة المطعم، وكل واحد مشغول في أكله أو موبايله، حصل موقف صغير محدش اهتم بيه… إلا بنت واحدة. والموقف ده كان كفيل يقلب حياتها كلها في لحظة، لأنها ساعدت ست كبيرة من غير ما تعرف إن ابنها كان واقف بيراقبها، وإنه واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر.
كان مطعم شعبي مشهور في وسط القاهرة، قريب من العتبة، مليان زباين وصوت الملاعق والكلام مالي المكان.

فجأة ست كبيرة في السن حاولت ترفع معلقة الشوربة لفمها، لكن إيديها كانت بترتعش جامد، فوقعت الشوربة على السفرة.
ناس بصتلها بإحراج، وناس عملت نفسها مش شايفة، وكل واحد رجع يكمل أكله أو يبص في تليفونه.
ولا حد فكر حتى يقوم يساعدها.
ما عدا سلمى.
سلمى عندها تلاتة وعشرين سنة، شغالة نادلة في المطعم من الصبح لآخر الليل، وبعد الشيفت بتركب الاسكوتر القديم بتاعها وتشتغل دليفري عشان تقدر تدفع إيجار الأوضة اللي ساكنة فيها مع صاحبتها.

رجليها كانت خلاص مبقاش فيها حيل من كتر الوقفة، وفاتورة الكهربا متأخرة عليها شهرين، وجوا جيب المريلة إنذار بالدفع كانت مطبقاه ومش عارفة هتتصرف إزاي.
لكن مهما كانت تعبانة، عمرها ما قدرت تتجاهل حد محتاج.
الست الكبيرة كان شعرها أبيض ومتسرح بعناية، ولابسة بلوزة بيج بسيطة لكن باين عليها الذوق والرقي. قدامها طبق محشي وشوربة، لكنها مش عارفة تاكل بسبب الرعشة اللي في إيديها.
في اللحظة دي، سلمى كانت شايلة إبريق مية وفاتورة ترابيزة تانية، وأحد الزباين نده عليها بعصبية أكتر من مرة.
لكنها وقفت مكانها.
قربت من الست، ونزلت لمستواها عشان متحسسهاش بالإحراج.

قالت بابتسامة هادية: “حضرتك كويسة يا طنط؟”
رفعت الست عينيها ليها، وكان فيهم تعب كبير، لكن كمان طيبة غريبة.
قالت بصوت واطي: “عندي باركنسون… وفي أيام مجرد الأكل بيبقى بالنسبة لي معركة.”
الكلمة خبطت سلمى في قلبها.
افتكرت جدتها اللي كانت بتعاني من نفس المرض، وإزاي كانت بتكسف كل ما حد يساعدها.
ابتسمت وقالت: “استنيني ثانية… هرجع لك حالًا.”
دخلت المطبخ، وطلبت شوربة أخف، وجابت معلقة أصغر، وبعدها سحبت كرسي وقعدت جنب الست، غير مهتمة بنظرات الناس.
قالت وهي بتمدلها المعلقة: “بالراحة… محدش مستعجلك هنا.”
ابتسمت الست لأول مرة.

وقالت وهي باصة لسلمى بحنان: “ربنا يبارك لك يا بنتي.”
بدأت سلمى تأكلها معلقة ورا معلقة، وكل شوية تفتح معاها كلام بسيط يهون عليها، بنفس الطريقة اللي كانت تتمنى حد يعامل بيها جدتها زمان.
لكنها ماكنتش تعرف إن في آخر المطعم، راجل طويل لابس بدلة شيك، واقف من أول الموقف وعينه ما فارقتهمش لحظة.
كان اسمه كريم المنياوي.
عنده واحد وأربعين سنة، ويمتلك شركات ومصانع ومولات في أكتر من محافظة. اسمه بيتكتب دايمًا في مجلات رجال الأعمال، والناس بتقول إنه ناجح بشكل يخوف، ومنافسينه شايفينه راجل مبيعرفش الرحمة.
أما الست الكبيرة…
فكانت أمه.

ومن سنين طويلة، ماشفهاش بتبتسم الابتسامة الصادقة اللي شافها دلوقتي.
بعد ما سلمى خلصت وسابت الست تكمل راحتها، لقت الست ماسكة إيديها برقة.
سألتها: “اسمك إيه يا بنتي؟”
قالت بابتسامة: “سلمى.”
هزت الست رأسها وقالت: “أوعي في يوم تخسري القلب الطيب اللي جواكي.”
بعد دقائق، الراجل الأنيق قرب منها.
قال بهدوء: “إنتِ تعرفي والدتي من قبل كده؟”
استغربت وقالت: “لأ يا فندم.”
سألها وهو ثابت في نظراته: “أمال ساعدتيها ليه؟”
ردت من غير ما تفكر:

“لأنها كانت محتاجة مساعدة… هو في سبب تاني المفروض يكون موجود؟”
طلع كارت أسود من جيب الجاكيت، وحطه في إيديها.
وقال: “بكرة الساعة تسعة الصبح… اتصلي بيا.”
بصت للكارت وهي مش فاهمة أي حاجة.
وفجأة، ظهر مدير المطعم من وراها، ووشه كله غضب.
صرخ قدام كل الزباين: “إنتِ مفصولة من الشغل من اللحظة دي… سيبتي شغلك والترابيزات كلها عشان تقعدي مع زبونة!”
سكت المكان كله.
سلمى حسّت إن الأرض بتميد بيها، وفكت المريلة ببطء، ودموعها كانت محبوسة بالعافية.
أما كريم…
فما قالش ولا كلمة.

كان واقف بيتفرج في هدوء، وكأنه مستني اللحظة المناسبة.
ولا حد في المطعم كله كان يتخيل إن القرار اللي هياخده بعدها بدقايق… هيغير حياة سلمى للأبد ويخلي كل اللي أهانها يندم ندم عمره.
حكايات محمد عبده
لمتابعه القصه اذكروا الله وانتظروا الباقي
الطيبة عمرها ما بتضيع… وأوقات موقف إنساني واحد بيغيّر مصير إنسان للأبد.
اذكروا الله، واستنوا باقي القصة في ثانية واحدة اتفصلت من شغلها لأنها ساعدت ست كبيرة… لكنها ماكنتش تعرف إن ابن الست كان واقف بيتفرج، وإن القرار اللي أخده بعدها هيقلب حياتها كلها!

خرجت سلمى من المطعم وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. الهواء البارد بتاع الليل خبط في وشها، والدموع اللي كانت محبوسة في عينيها نزلوا زي المطر. فكت المريلة المكبوسة في إيدها وحطتها في الشنطة، وطلعت مفتاح الإسكوتر القديم وهي بتترعش. كان كل تفكيرها منحصر في فاتورة الكهربا، وإيجار الأوضة اللي هيستحق كمان تلات أيام، وصاحبتها “منى” اللي مستنياها باللقمة عشان يتقاسموا المصاريف. وقفت عند الإسكوتر ومسكت الكارت الأسود الصغير اللي الراجل يدوهولها. كان مكتوب عليه بخط ذهبي بارز: كريم المنياوي – رئيس مجلس إدارة مجموعة المنياوي الاستثمارية. الكارت كان شكله أثقل وأفخم من كل حاجة مسكتها في حياتها.

فجأة، سمعت صوت حركة وراها. لقت الست الكبيرة طالعة من المطعم ومستندة على دراع ابنها كريم، اللي كان بيمشي ببطء شديد عشان يراعي خطوتها. الست أول ما شافتها، سحبت إيدها من دراع كريم وقربت من سلمى بابتسامة دافية. قالت الست بصوت كله حنان: “يا سلمى يا بنتي… المدير اللي جوه ده شخص جاهل، وما يفهمش قيمة الأصول ولا الإنسانية. بس أوعي تخلي قسوة الناس تكسر طيبتك.” سلمى حاولت تبتسم رغم الدموع وقالت: “الحمد لله يا طنط، أنا بخير… المهم إن حضرتك تكوني ارتحتي وأكلتي كويس.”

كريم كان واقف ساكت، عيونه الحادة بتراقب سلمى بتأمل غريب. كان متعود يتعامل مع ناس كل همهم الفلوس، والمظاهر، والنفاق. لكن البنت دي، رغم الفقر الواضح في لبسها وجزمتها المستهلكة، كان عندها عزة نفس وكبرياء يدرّس. كريم اتكلم بهدوء وصوت واثق: “الأسكوتر ده هيوصلك البيت بسلامة؟” سلمى هزت رأسها: “أيوة يا فندم، متعودة عليه.” كريم قال وهو بيفتح باب عربية سوداء فخمة كانت واقفة ومستنياه: “الكارت معاكي… بكرة الساعة تسعة الصبح تكوني في المقر الرئيسي للشركة في التجمع الخامس. ما تتأخريش.”

الست الكبيرة ركبت العربية، وقبل ما الباب يقفل، بصت لسلمى وقالت: “مستنياكي بكرة يا سلمى.” طول الليل، سلمى ما عرفتش تنام. كانت بتقلب في الكارت، وصاحبتها منى بتقولها بخوف: “يا سلمى، الناس الأغنياء دول يخوفوا… إنتِ عارفة التجمع الخامس ده فين؟ وإنتِ هتسافري هناك بالإسكوتر المكركب ده إزاي؟ وافرضي بيشتغل عليكي؟” ردت سلمى وهي بتبص للسقف: “اللي شفته في عين أمه ما كدبش يا منى… أمه ست طيبة أوي، وأنا مش خسرانة حاجة، كده كده اتفصلت من الشغل.”

تاني يوم الصبح، الساعة تمانية ونص، كانت سلمى واقفة قدام برج زجاجي شاهق في التجمع الخامس. مبنى فخم جدًا مكتوب عليه “مجموعة المنياوي”. كانت لابسة أحسن طقم عندها؛ بلوزة بيضاء وبنطلون أسود بسيط، بس كانت باينة وسط الموظفين اللي داخلين بلبس ماركات وشيك جدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى