ظلُّ الشجرة الأولى كانت “الحاجة فاطمة” تجلس كعادتها كل مسـاء بجوار النافذة المطلة على أول الشارع، تتأمل العابرين وهي تحتضن كوب الشاي الدافيء بينيديها. كانت الدار واسعة، أكثر مما ينبغي، وصمتها أثقل مما يحتمل.
منذ أن تزوج ابنها الوحيد “أحمد” وانشغل بحياته المستقلة، أصبحت الأيام تتشابه. لم تعد تفاصيل يوم فاطمة تدور حول شقاوة طفلها ولا مساعدته في دروسه، بل أصبحت تدور حول انتصار صغير: أن يرن الهاتف وتكون المكالمة من أحمد.
الأعذار المكررة في يوم الجمعة، اتصلت فاطمة بـ أحمد بصوت يملؤه الشوق:
“يا بني، لم نرك منذ أسابيع..
أعددت لك وللأطفال الطعام الذي تحبونه، متى ستأتون؟”
جاءها صوت أحمد مستعجلاً من الطرف الآخر، يتخلله صوت ضجيج وشجار الأطفال:
“والله يا أمي أنا مضغوط جداً في العمل، وفي العطلة أعدت زوجتي برنامجاً للأولاد للذهاب إلى التمارين والحديقة.. تعرفين متطلبات الأطفال هذه الأيام! أوعدك عندما أجد وقتاً فارغاً سأمر عليكِ.”
اكتب تم وصل علي النبي وتابع باقي القصة
تتمة القصة: ظلُّ الشجرة الأولى
أغلقت الحاجة فاطمة الهاتف، ونظرت إلى كوب الشاي الذي غاب عنه دفؤه. ابتسمت ابتسامة باهتة تُداري بها غصة حارقة في حلقها. كتمت حزنها كما تفعل كل مرة، وقالت في سرها: “الله يعينك يا بني، ويصلح حالك وحال أولادك.” قامت بخطوات بطيئة نحو المطبخ، وأعادت رصّ أطباق “المحشي” و”الحمام” التي قضت الليل كله في إعدادها، تغلفها بحرص وتضعها في الثلاجة، كأنها تغلف مشاعرها التي لم تجد من يستقبلها.
تمر الأيام والأسابيع، وأحمد غارق في ساقية الحياة. التزامات العمل، وأقساط المدارس، وخروجات نهاية الأسبوع التي لا تنتهي. كان يظن أن مجرد رنين هاتف خاطف لدقيقة واحدة كل بضعة أيام كافٍ ليبرئ ذمته أمام أمّه، لم يدرك أن تلك الدقيقة كانت بالنسبة لها هي حبل الهواء الوحيد الذي تتنفس به في بيتٍ عاد فيه الصدى يتردد في أركانه.
ليلة السكون والتفاصيل الصغيرة
في إحدى ليالي الشتاء الباردة، اشتدت البرودة على غير العادة، وهبت عاصفة مطرية قوية. كانت الحاجة فاطمة تشعر بتعب خفيف في صدرها، وثقلٍ في أقدامها لم تعهده من قبل. حاولت أن تصل إلى هاتفها لتسمع صوت أحمد، لكنها تراجعت.. تمتمت لنفسها: “الساعة تجاوزت منتصف الليل، أحمد لديه عمل غداً ولا أريد أن أقلقه.” جلست على كرسيها المفضل بجوار النافذة، تتأمل قطرات المطر المتساقطة على زجاج الشباك، وتسترجع شريط خاطرات قديم:
تتذكر كيف كانت تسهر بجوار أحمد وهو طفل إذا حمّت درجات حرارته. كيف كانت تبيع حليّها ومقتنياتها البسيطة لتشتري له الكتب التي يحبها. كيف كانت تمشي في المطر حافية الأقدام أحياناً لتوصل له مظلته إلى المدرسة حتى لا يبتل. كانت هي “الشجرة الأولى” التي أظلت حياته وحمته من قسوة الهجير، حتى كبُر واستوى عوده، فنُسي الظل وصاحبه.
المكالمة التي تأخرت كثيراً
في صباح اليوم التالي، استيقظ أحمد على غير العادة مشوشاً. شعر بثقل غريب في صدره ورغبة مفاجئة لم يفهما في أن يسمع صوت أمه. نظر إلى الساعة، كانت العاشرة صباحاً.
قال لنفسه: “سأتصل بها الآن، وأذهب إليها في المساء مهما كانت الظروف، سأعتذر منها وأقبل يديها.” طلب رقمها.. رن الهاتف مرة، مرتين، ثلاثاً.. لا إجابة.
تسلل القلق إلى قلبه، كرر الاتصال مراراً وتكراراً، لكن الصوت الآلي كان يأتيه في كل مرة ليكرر نغمة الرفض نفسها. ترك عمله مسرعاً، واستقل سيارته يطوي الأرض طياً نحو بيت أمه القديم.
طوال الطريق، كانت الصور تتزاحم في عقله: ابتسامتها عند الباب، دعواتها التي كانت تفتح له المغالق، طعم الشاي من يديها.. كيف فرّط في كل هذا الجمال من أجل ركضٍ زائف خلف سراب لا ينتهي؟ أوراق تحت جذع الشجرة
وصل أحمد، ودفع الباب المفتوح قليلاً بيدين ترتجفان. كان البيت هادئاً بشكل مرعب، وصوت قطرات المطر المتساقطة من النافذة هو الوحيد الذي يخرق ذلك الصمت. دخل الصالة، فوجدها تجلس في مكانها المفضل بجوار النافذة. رأسها مائل قليلاً إلى الخلف، وعيناها مغمضتان بهدوء شديد، وكأنها ترتاح من تعب السنين. اقترب منها بخطوات متثاقلة، لمس يدها.. كانت باردة كبرودة المطر في الخارج.
سقط أحمد على ركبتيه أمامها، واحتضن يديها الباردتين وهو يبكي بحرقة لم يعرفها طوال حياته: “يا أمي.. استيقظي، لقد جئت! أعدك أنني لن أتشاغل عنكِ بعد اليوم.. خذي وقتي كله، خذي حياتي.. فقط اسمعيني صوتك!” لكن الوقت كان قد فات، والشجرة الأولى التي استظل بها طوال عمره سقطت أوراقها ورحلت في سكون، لم تتركه بغضب ولا بعتاب، بل رحلت وهي تدعو له كما كانت تفعل دوماً. على الطاولة الصغرى بجوار كرسيها، وجد أحمد مفكرة صغيرة، فتحها بيدين ترتعشان ليرى خطها البسيط:
“أعرف أنك مشغول يا أحمد، وأعلم أن الدنيا أخذتك.. لا تحزن يا بني إذا رحلت دون أن أودعك، فأنا راضية عنك حتى آخر نبض في قلبي.. فقط لا تنسَ أن تزور قبري كما كنت تزور بيتي، ولا تبخل عليّ بدعائك.” جلس أحمد في الدار الواسعة، يح.تضن المفكرة ودموعه تسيل، يستشعر لأول مرة معنى أن يعيش الإنسان في الصيف المحرق.. بلا ظل.