ل.عنة الـ 30 دقيقة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت شبيهة بـ “ساعة توقيت” مضبوطة بدقة مرعبة.
كلما خطونا خطوة واحدة خارج باب الشقة أنا وزوجي—سواء كنا متجهين لسينما، أو مطعم، أو حتى لنزهة قصيرة لا تتعدى النصف ساعة—كانت العاصفة تبدأ.
نصف ساعة بالضبط، ثم يرن الهاتف.
صوت “أحمد” يتغير، وملامحه تنهدك من الخوف.
على الطرف الآخر، صوت والدته يصارع الموت:
“الحقني يا بني… حاسة إن أنفاسي بتتسحب مني… تموت ديلوقتي!”
كنا نترك كل شيء ونعدو كالمجانين. نلغي الحجوزات، نترك الطعام على الطاولات، ونقطع طريق الساحل من منتصفه.
وفي كل مرة نصل فيها يلهث أحمد من الرعب، نجدها تتنفس ببطء، وتجلس على أريكتها متبسمة وهي تقول:
“أول ما شفتكم… الروح ردت فيّ!
لم تكن “الروح ردت فيها” مجرد عبارة عابرة تقال للترحيب، بل كانت جملة تحمل في طياتها سرًا مظلمًا لم أدركه إلا متأخرًا. في المرة الأولى، أشفقت عليها. في المرة الثانية، تعاطفت. لكن بحلول المرة العاشرة، بدأ الشك ينهش في عقلي كالسوس. كيف يمكن لامرأة تتصاعد أنفاسها وتحتضر عبر الهاتف، أن تتحول في غضون عشر دقائق—وهي المسافة بين بيتنا وبيتها—إلى امرأة مكتملة الصحة، تعلو حمرة الورد خدودها، وتجلس لتشرب شاي الأعشاب المفضل لديها؟
والأغرب من ذلك كله… هو الرقم: 30 دقيقة. لماذا 30 دقيقة دقيقةً بدقيقة؟ لا أكثر ولا أقل. لو خرجنا في الثامنة مساءً، يرن الهاتف في الثامنة والنصف. لو خرجنا في منتصف الليل، يرن الهاتف في الثانية عشرة والنصف. وكأن هناك عقرب ساعة خفيًا يدور في ظلام حياتنا.
تحولت حياتنا مع أحمد إلى جحيم مصغر. ألغينا سفرنا للساحل، ضاعت علينا تذاكر الطيران في شهر العسل الذي حاولنا تعويضه بعد سنوات، وحرمنا أنفسنا حتى من مجرد الجلوس في مقهى مجاور. أصبحت أرى حياتي تذوب وتتلاشى داخل جدران شقتنا. أحمد كان أعمى بحبه وخوفه المرضي عليها، وكان يتهمني بالتقصير والقسوة كلما حاولت أن ألمح له بأن ما يحدث ليس طبيعيًا. “هذه أمي يا سارة! هل تريدين مني أن أتركها تموت لكي تستمتعي بعشاء في مطعم؟” كان هذا رده الدائم، والممتزج بالغضب والشعور بالذنب.
في ليلة جمعة ممطرة، قررت أن أضع حدًا لهذه المهزلة. لم أعد أحتمل هذا الحبس الخاطق. اتفقت مع أحمد على الخروج لشراء بعض المستلزمات الضرورية. خرجنا من باب الشقة في تمام الساعة التاسعة مساءً.
نظرت إلى ساعتي بنبضات قلب متسارعة: 9:00. جلسنا في السيارة، ولم أستقل معه إلى المتجر، بل قلت له إنني نسيت حقيبتي وسأصعد لأحضرها وألحق به. لكنني لم أصعد لشقتنا… بل تسللت عبر الدرج الخلفي لعمارة حماتي، التي تبعد شارعين فقط عنا.
كانت الساعة تشير إلى 9:20.
اختبأت خلف شجرة كبيرة قريبة من نافذة صالونها في الطبقة الأرضية. كانت الستائر خفيفة، والمشهد واضحًا كالشمس. كانت تتجول في الشقة بنشاط غريب، تتنقل بين المطبخ والصالة، تأكل بعض الفواكه، وتدندن بأغنية قديمة! لا يوجد أي أثر للتعب، لا أكسجين، ولا احتضار. ظلت عيناي مثبتتين على شاشة هاتفي وعلى نافذتها.
9:25…
9:27…
9:29… وفجأة، في تمام 9:30 بالضبط، حدث شيء جعل الدماء تتجمد في عروقي.
لم تتجه حماتي إلى الهاتف لتتصل! بل وقعت على الأرض فجأة، وبدأت تتلوى وتختنق بالفعل! صبغ وجهها بلون أزرق داكن، وبدأت أظافرها تغرس في السجاد وهي تحاول التقاط أنفاسها، وعيناها تبرزان إلى الخروج برعب حقيقي! كانت تلهث بجنون، وبصعوبة بالغة تمكنت من مد يدها المرتجفة نحو الهاتف الملقى على الطاولة القريبة، وضغطت على زر الاتصال السريع لأحمد. سمعت صوتها الصادر من النافذة، نفس الصوت المروع الذي نسمعه دائمًا:
“الحقني يا بني… حاسة إن أنفاسي بتتسحب مني…”
صُدمت. لم تكن تكذب! لم تكن تمثل! كانت تموت بالفعل في الدقيقة الثلاثين! تراجعت إلى الخلف بذعر، وتسارع دموعي. كيف يكون هذا ممكنًا؟ لماذا تختنق بالفعل كلما ابتعدنا لمدة نصف ساعة؟ في تلك اللحظة، لم أركض نحو شقتها، بل ركضت نحوه هو… نحو أحمد الذي كان قد وصل بسيارته للتو بعد أن تلقى مكالمتها مرعوبًا. أوقفته قبل أن يدخل. “أحمد! انتظر! لا تدخل الآن!” صرخت وأنا أقبض على ذراعه. “أنت مجنونة؟ أمي تموت في الداخل!” دفعني بغضب وحاول المرور.
“استمع إلي لمرة واحدة في حياتك!” صرخت بانهيار، “أنا كنت أراقبها من النافذة! هي لم تكن مريضة طوال الـ 29 دقيقة… البدء الفعلي للاختناق يحدث في الدقيقة 30 تمامًا! هناك شيء خاطئ، شيء أسود يحدث هنا!” توقف أحمد، ونظر إليّ بذهول وشك. لكن رُعبي الصادق جعله يتردد. دخلنا الشقة معًا. وكالعادة، بمجرد أن رأته ودخل إلى الغرفة، بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا، وعادت الحمرة إلى وجهها خلال دقائق، وجلست على الأريكة وهي تبتسم ابتسامتها المعتادة: “أول ما شفتكم… الروح ردت فيّ!”
لكن هذه المرة، لم يركض أحمد لتقبيل يدها. وقف متيبسًا في منتصف الغرفة، ينظر إليها برعب جديد لم يعهده من قبل. لاحظت هي تغير ملامحه، فتقلصت ابتسامتها. “أمي…” قال أحمد بصوت متلجلج، “ما الذي يحدث لكِ بالضبط عندما نبتعد؟” تغيرت ملامح حماتي تمامًا. اختفت سيماء الضعف والأمومة، وحلت مكانها نظرة حادة، باردة، وخالية من أي مشاعر بشرية. أغلقت عينيها لبرهة، ثم فتحتهما وهي تنظر إلى السقف وتتنفس بعمق. قالت بصوت خفيض ومرعب، لا يشبه صوتها المعتاد:
“ألم تفهم بعد يا أحمد؟”
اقتربتُ من أحمد ومسكت بيده المرتجفة. تابعت حماتي وهي تنظر إلينا بنظرات فارغة:
“قبل ثلاث سنوات… عندما أُصبت بتلك الأزمة القلبية الحادة وكنتُ على وشك الرحيل… لم أكن مستعدة للموت. كنت خائفة من الظلام. وفي لحظة النزع الأخير، حضر… وعرض عليّ صفقة.” صمتت لثوانٍ، بينما كان الهواء في الغرفة يزداد برودة بشكل لا يطاق.
“أعطاني حياة جديدة… ولكن بشرط. حياتي ليست ملكي، بل هي مستعارة من روحك أنت يا أحمد. طالما أنت قريب مني، أستمد أجزاءً طفيفة من طاقة حياتك دون أن تشعر. ولكن إذا ابتعدت عني لأكثر من 30 دقيقة… تنقطع الوصلة بيننا، ويسترد هو أنفاسي فوريًا… وأبدأ في الموت حقيقة.” اتسعت عينا أحمد، وتراجع خطوة إلى الخلف وهو يهز رأسه بنفي: “لا… هذا غير ممكن… أنتِ تتخيلين… أنتِ مريضة…”
“أنا لست مريضة!” صرخت هي بصوت حاد هز جدران الغرفة، “أنا حية بك! في كل مرة تبتعد فيها، ينفتح باب القبر تحتي! 30 دقيقة هي المهلة التي مُنحت لي قبل أن يتم سحبي إلى الأسفل! ولهذا… لن تتركني أبدًا يا أحمد. لأنك إن ابتعدت… ستكون أنت من قتلني بيديك!” ساد صمت خادق في الغرفة. نظرتُ إلى أحمد، فرأيت شحوبًا مرعبًا يعلو وجهه. لم يكن الخوف على أمه هذه المرة، بل كان الخوف منها.
فهمتُ كل شيء في تلك اللحظة. لم تكن الأزمة مجرد مرض، بل كانت “لع.نة” وثيقة سوداء ربطت حياتها بحياته. وكل دقيقة يقضيها بجانبها، تقتطع سرًا من عمره هو لتغذي عمرها هي. سحبتُ أحمد من يده وبدأت أجرّه نحو الباب.
“أحمد، لنبقى هنا… علينا الخروج، علينا البحث عن حل، عن شيخ، عن أي شخص يساعدنا!”
لكن حماتي وقفت فجأة بنشاط غير طبيعي، ووقفت أمام الباب تمنعنا، وعيناها تلمعان بشر مستطير:
“إلى أين؟ الساعة الآن التاسعة وأربعون دقيقة… إن خرجتما الآن، ستمر الـ 30 دقيقة وأنا وحدي… هل ستتحمل يا أحمد ذنب موتي؟ هل ستعيش بقية حياتك وأنت تعلم أنك قتلت أمك لأنك أردت الخروج مع زوجتك؟” نظر أحمد إليّ، ثم نظر إلى أمه. رأيت الشك والرعب يمزقان عقله. كان يعلم أنها تستهلكه، لكن عقدة الذنب التي زرعتها فيه طوال حياته كانت أقوى من أي منطق.
فجأة، جثا أحمد على ركبتيه على الأرض، وبدأ يتنفس بصعوبة…
نظرتُ إليه بذهول، ثم نظرت إلى حماتي. كانت تقف فوقه وتستنشق الهواء بعمق، وكأنها تسحب شيئًا مرئيًا من أثير الغرفة، بينما بدأت وجهها يزداد شبابًا ونضارة، وأحمد ينطفئ أمامي كشمعة تحتضر! “أحمد!” صرخت وأنا أرتمي عليه. رفع رأسه ونظر إلي بعينين ذابلتين، وقال بصوت ضعيف جدًا:
“سارة… اهرُبي… الـ 30 دقيقة لم تكن مهلة لها هي… بل كانت المهلة لي أنا… طوال هذا الوقت، كانت تستنزفني… وأنا أحتضر ببطء.”
وقفتُ ورأيت حماتي تبتسم ابتسامة مظلمة شاحبة، وهي تقول:
“لقد فات الأوان يا سارة… الآن، هو لن يستطيع الابتعاد عني حتى لـ 5 دقائق.” تركتُ الشقة وأنا أركض في الشارع كالمجنونة، وأصوات دقات الساعة تتردد في رأسي كأنها مقصلة تهوي. كنت أعلم أنني إذا لم أجد طريقة لكسر هذا العقد المظلم قبل نهاية الليلة… فإن أحمد لن يرَ نور الصباح أبدا.