جوز بنت طردني انا وعيالي عشان خاطر اختها والمفاجاه بنتي قولتها هتجي معانا ولا لا . قالتي انتي كده بتخرب بيتي انا هقعد مع جوزي جحود على أبواب الغربة” وقف “محمود” على باب الشقة وعيناه تفيضان غضباً وقسوة، بينما حزم حقائبنا الصغيرة وقذف بها عند العتبة. نظر إليّ وإلى أطفالي الصغار وقاطَع توسلاتي بصوت حاد كالسكــ,,ـــــين: — “أنا مش متحمل وجودكم هنا أكتر من كده! أخت مراتي جيلان جاية تقعد معانا، والبيت مش هيشيل الكل. تفضلي خد عيالك وامشي!”
كانت الكلمات كالصاعقة.
اتسعت عيناني ذهولاً، وأنا أتلفت حولي أبحث عن نظرة أمل أو أمان من ابنتي “شهد”، ابنتي التي ربّيتها وشقيت لأجلها سنوات طويلة حتى رأيتها عروساً في هذا البيت.
وقفت شهد على بُعد خطوات، واجمة، لا تتكلم ولا تتحرك. اقتربتُ منها بخطوات مكسورة، وضعت يدي المرتعشة على كتفها، ودموعي تحــ,,ـــــرق وجهي: — “تعالي معانا يا شهد… هتسيبيني للشارع أنا وإخواتك في أنصاف الليالي؟ هتسبينا نتمشّى بالشنط والبرد وياكلنا؟”
انتظرتُ منها أن تصرخ في وجه زوجها، أن تمسك بيدي، أو حتى تشعر بالشفقة على إخواتها الصغار الذين تبددت حيرتهم بين الصمت والبكاء.
لكن المفاجأة التي قطعت ما تبقى من قلبي كانت ردّها…
نظرت إليّ شهد ببرود تام، وسحبت يدها من تحت يدي ببطء، وقالت بنبرة جافة لم أعهدها منها من قبل: — “أنتِ كده بتخربي بيتي يا أمي! عايزاني أسيب جوزي وأخرب على نفسي عشان خاطر شوية مشاكل؟ أنا هقعد مع جوزي، وده بيتي وحياتي… مع السلامة.”
نزل سقف الدنيا فوق رأسي. صمتّ… لم أستطع الكلام أو المعاتبة. أخذتُ أطفالي من أيديهم المرتعشة، ونزلتُ الدرجات ببطء، بينما صُفع الباب خلفنا بقوة هزّت أركان المكان.
مشيتُ في الشارع المظلــ,,ـــــم وأنا أجرّ أقدامي وجرّاح قلبي. لم تكن برودة الجو هي ما ت.ني، بل كان جحود الابنة التي ظننتها سندي. مع كل خطوة، كان صدـ,,ـــري يضيق، وثقل رهيب يعصر قلبي، حتى لم أعد أستطيع التنفس و سيبلى لا..يــك وكو..منت بالصلاه على النبي وباقى القصة مشوقه جدا فى اول تعليق 👇👇 باقي القصه أمسكتُ بصدـ,,ـــري وسقطتُ على ركبتي فوق الرصيف البارد، بينما تعالى صراخ أطفالي وهم يحاولون إيقافي. كانت أضواء الشارع تتراقص أمام عيني، والظلام يبتلعني شيئاً فشيئاً. ظننتُ أنها النهاية… أن قلبي المكسور قرر أن يستريح للأبد.
لكن يد الله كانت أرحم من أقرب الناس إليّ. مرّت سيارة بسيطة، وهبط منها رجل طاعن في السن يُدعى “العم حامد”، وبصحبته زوجته. لم يتوانَ الرجل لحظة؛ حملني بمساعدة زوجته إلى أقرب مستشفى، وهناك أمضيت ليلة بين الحياة والمــ,,ـــــوت. وعندما فتحت عيني في الصباح، وجدت أطفالي نائمين على كراسي الانتظار، وزوجة العم حامد تجلس بجواري ودموعها في عينيها. عندما علم العم حامد بقصتي، لم يكتفِ بنقلي للمستشفى، بل أصرّ على استضافتنا في غرفة ملحقة ببيت قديم يملكه، وقدم لنا الأمان الذي حرمنا منه أقرب الناس.
المفاجأة التي زلزلت كل شيء مرّت ثلاثة أشهر… استجمعت فيها قواي، وبدأت أعمل في إعداد الوجبات المنزلية وبيعها بمساعدة زوجة العم حامد، وبدأ رزقي يتسع بفضل الله دعاء أطفالي. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أفرز بعض أوراق زوجي المتوفى (رحمه الله) لأبحث عن وثيقة رسمية، سقطت من بين الكتب القديمة ورقة مطوية ومختومة. عندما فتحتها، لم أصدق ما قرأت!
كانت الورقة عقد ملكية مسبق وصريح للبيت الذي يقيم فيه “محمود” وبنتي “شهد”! اتضح أن زوجي الراحل كان قد اشترى الشقة باسمي أنا، وكتبها لي قبل وفاته بعقد مسجل، لكنه ترك لمحمود وشهد حق الإقامة فيها مؤقتاً لحين استقرار أمورهما المادية، وهو ما أخفاه محمود عني مستغلاً جهلي في تلك الفترة! لحظة الحساب لم أتردد. استعنت بمحامٍ كفء، وقدمت أوراق الملكية للجهات المختصة. وفي صباح يوم ممطر، كانت الصدمة تنتظر محمود وشهد!
طرقت الشرطة ببابهم، ومسح المحامي العرق عن جبينه وهو يسلم محمود حكماً قضائياً باتاً بالإخلاء الفوري للعين وتسليمها لمالكتها الشرعية! خرجت شهد ومحمود إلى الشارع لا يملكون سوى الحقائب التي يحملونها، تماماً كما فعلوا بي وبإخوتي الصغار. نظرت إليّ شهد بذهول ودموعها تتساقط، وركضت نحوي تترجاني: — “سامحيني يا أمي! محمود هو اللي أثر عليا، أنا بنتك وحبيبتك… ما ترمينيش في الشارع!” نظر محمود هو الآخر للضابط متوسلاً، بعد أن تبددت كل كبرياء وقسوة كانت في عينيه يوم طردني.
وقفتُ أمامهما مرفوعة الرأس، ونظرت في عيني شهد بصلابة أورثتني إياها الأيام الصعبة، وقلت لها بصوت هادئ هزّ أركانهما: “يوم طردتيني يا شهد، قلتِ لي إنك مش هتخربي بيتك عشان شوية مشاكل… النهاردة أنا مش بخرب بيتك، أنا بس برجع حق إخواتك الصغار اللي رميتيهم في البرد. البيت ده بيتي أنا، وأنتِ اخترتِ جوزك وعزلتِ نفسك عننا… ودلوقتي، كملي حياتك مع جوزك اللي آثرتيه على أمك وإخواتك!” دخلتُ الشقة مع أطفالي، وإغلاق الباب هذه المرة لم يكن بدافع القسوة، بل كان إعلاناً لبداية حياة جديدة تُردّ فيها الحقوق لأصحابها، وينال فيها كل جاحظ جزاء ما اقترفت يداه.