بنتي صحيت من النوم وقالتلي بهمس ماما في واحد بيديني شوكلاته وبيحط ايده عليكي ويعمل حاجات وانتي نايمه كل يوم ، ووصفها للي شافته جمد الدم في عروقي !!
أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب اللي حصل، مش قادرة أصدق إن بيتي اللي كنت شيفاه أماني الوحيد في الدنيا دي، طلع هو الحتة اللي بتداري وراها رعب ملوش آخر.
أنا اسمي مريم، أم مطلقة وعندي بنت واحدة اسمها تاليا، عندها خمس سنين. من يوم ما انفصلت عن باباها وأنا ماليش غيرها ولا ليها غيري. نقلت لبيت جديد، شقة صغيرة على قدنا، عشان نبدأ من جديد بعيد عن المشاكل.
كانت دنيتنا هادية، مفيش فيها غير ضحكتها وشقاوتها، بنصحى الصبح نجهز للحضانة، أوديها وأروح شغلي، وأرجع أجري عشان ألحقها، نقضي بقية اليوم سوا.. نطبخ، نلعب، وننام في ح.ضن بعض. كانت حياتنا ماشية زي الفل، لحد من حوالي أسبوعين.. كل حاجة اتبدلت.
البداية كانت غريبة.. تاليا اللي كانت بتصحى بضحكة تملى البيت، بقت تصحى مبرقة، عينيها واسعة من الخوف، وجسمها الصغير ده بيتنفض. أول يوم افتكرته كابوس عادي، أصل مين فينا مبيحلمش؟ أخدتها في ح.ضني وفضلت أهدي فيها وأقرا لها قرآن لحد ما هديت. سألتها: “في إيه يا تاليا؟ حلمتي بحاجة وحشة يا قلب ماما؟”
هزت رأسها بنفي وسكتت.. سكتت سكوت مش بتاع أطفال في سنها، سكوت مليان خوف ومستخبي ورا نظرة عين مش قادرة أنساها. كذبت نفسي وقتها، وقلت عقلي بيتهيأله، الأمهات ديماً بيجيبوا لنفسهم الوسواس.
لكن الوضع مكنش بيتحسن، بالعكس.. كل ليلة كانت تتكرر نفس المأساة. تاليا بقت ترفض تنام في السرير، تمسك في هدومي بضوافرها الصغيرة وتصرخ وتترجاني: “بلاش ننام يا ماما.. بلاش نطفي النور”. وأنا قلبي بيتقطع ومش فاهمة في إيه. الشقة اللي اخترتها بعناية عشان تكون ملاذنا الهادي، بقت بحس فيها ببرودة مش طبيعية، بتقل بيضغط على صدري أول ما الليل يليل. بقيت أصحى الصبح وأنا حاسة إن جسمي مكسر، كأني كنت في حرب طول الليل، مجهدة وتعبانة وجسمي فيه علامات زرقا خفيفة، أقول لنفسي “يمكن اتخبطت وأنا بتشقلب في النوم.. يمكن الإرهاق بيعمل أكتر من كده”.
لحد الليلة دي.. الليلة اللي دمرت كل أوهامي. كنا نايمين، وفجأة حسيت بإيد تاليا الصغيرة بتلمس وشي.. صوابعها كانت بتترعش وزي التلج. فتحت عيني بالراحة في العتمة، لقيتها قاعدة جنبي، قربت من أذني وقالتلي الشوية الكلمات دول بمنتهى الهيدان والهمس اللي يرعب:
“ماما.. عمو اللي بييجي كل يوم أداني شوكولاتة تاني.. وقعد يحط إيده عليكي ويعمل حاجات غريبة وأنتي نايمة، وأنا كنت خايفة أتكلم عشان قال لي لو نطقتي هيمو.تك أنتِ وهي..”
الدم جمد في عروقي. الدنيا لفت بيا والبيت كله حسيت بيه بيلف وبيهوي بيا لغياهب ملهاش آخر. جسمي اتخشب ومبقيتش عارفة أتنفس.. “عمو مين؟ شوكولاتة إيه؟ بيكلمك إزاي؟”
مسكتها من كتفها بالراحة وأنا بحاول أتحكم في رعشة إيدي وصوتي عشان مأخوفهاش أكتر، وقلت لها بصوت مخنوق: “تاليا.. حبيبتي، قولي لماما الحقيقة، ده كابوس صح؟ حد دخل هنا؟”
تاليا طلعت من تحت المخمدة حتة ورقة شوكولاتة صغيرة.. مش مستعملة في بيتنا، نوع أنا عمري ما جيبته ولا بدخله البيت. مسكت الورقة وإيدي بتتنفض.. الدليل في إيدي، بنتي مبتحلمش!
في لحظة، كل العلامات الزرقا اللي في جسمي، تعبي كل صباح، الباب اللي كنت أصحى ألاقيه موارب وأقول أنا نسيت أقفله بالمفتاح.. كل حاجة اتجمعت في دماغي زي صدمة كهربائية. في حد يدخل شقتي.. في حد بيخترق أماننا، بيلعب في حياتنا، ومستغل إني أوم متعبة وبتنام من الإرهاق! مسكت تاليا وخبيتها في ح.ضني وأنا عينيا عالباب المقفول.. البيت اللي كان أماني بقا هو المصيدة. بقيت خايفة أتحرك، خايفة أعمل صوت، خايفة ألتفت ألاقي حد واقف في عتمة الصالة وبيراقبنا.
عملت نفسي هادية عشان تاليا تنام، وفضلت صاحية بقية الليل، ماسكة السكينة في إيدي تحت المخمدة، وكل صوت خشب بيزيق في البيت كان بيخلي قلبي يقف. الصبح أول ما الشمس طلعت، أخدت بنتي وشنطة هدوم صغيرة، وخرجت أجرى من الشقة دي وأنا حاطة إيدي على قلبي.. مش راجعة المكان ده تاني إلا وأنا عارفة مين الكابوس ده، وإزاي كان بيدخل، ومين ابن الحرام اللي استجرأ يدمّر حياتنا بالشكل ده.