روايات

ندم متأخر كانت “أم أحمد” امرأة صابرة، أنهـ,ـكتها جباير الزمن

ندم متأخر
كانت “أم أحمد” امرأة صابرة، أنهكتها جباير الزمن، ولم يتبق لها من الدنيا سوى ولدها الوحيد “أحمد”. بعد وفـ,ـاة زوجها، كرست حياتها لتربيته، وعملت ليل نهار في تنظيف المنازل لتوفير لقمة العيش وتعليمه، لكن الرياح أتي بما لا تشتهي السفن؛ إذ رفقاء السوء أوقعوا الشاب في براثن الإدمان، فتحول تدريجياً إلى شخص آخر تغيب عنه وعيه، وتسيطر عليه رغبة عمياء في الحصول على جرعته بأي ثمن.
بداية النهاية
في البداية، بدأ أحمد يطلب المال بإلحاح، بحجة مصروفات شخصية أو ديون وهمية.

وحين كانت الأم ترفض لعدم توفر المال، كانت تشتعل نيران الغضب في عينيه، فكان يثور ويهشم محتويات البيت البسيط.
لم تهون الأم على نفسها تسليم ابنها للشرطة، وكانت تظن أن حنانها كفيل بإصلاحه. لكن الإدمان أعمى بصيرته تماماً، فبدأ خطته السوداء بالسرقة الخفية:
الاختفاء الغامض: بدأت الأم تلاحظ اختفاء بعض النقود البسيطة التي تحتفظ بها لمصاريف العلاج والطعام.
فقدان الذهب: في أحد الأيام، فتحت الصندوق القديم لتفاجأ باختفاء خاتم زواجها، وهو الذكرى الوحيدة المتبقية لها من الراحل زوجها.
اتهامات الجيران: وصل الأمر ببيع بعض أدوات المطبخ النحاسية القديمة التي ورثتها عن عائلتها.

ليلة الحقيقة
في ليلة شتوية باردة، كانت الأم تفوح رائحة المرض من جسدها المتعب، وكانت نائمة بعمق بعد يوم شاق. تسلل أحمد على أطراف أصابعه إلى حجرتها، وفتح الخزانة بهدوء باحثاً عن أي شيء ذي قيمة.
أصدر درج الخزانة صريراً خفيفاً استيقظت على أثره الأم. فتحت عينيها لترى ابنها الوحيد، الذي حملته صغيراً وسهرت ليلها لراحة كبيره، واقفاً والدموع في عينيه من تأثير الهلع، وبيده حقيبتها الصغيرة ومبلغ زهيد كان مخصصاً لدواء قلبها.
نظرت إليه الأم نظرة جمعت بين ألم الدنيتين: خيبة الأمل، وحسرة السنين، وكسرة القلب.
قالت الأم بصوت مرتعش وخافت:
“للدرجة دي يا أحمد؟

بعتني عشان حتة مخدرات؟ دنا كنت بمـ,ـوت جوعانة عشان أنت تاكل… خذها يا أحمد، خذ كل حاجة، بس اعرف إنك بعت أمك بالرخيص أوي.”
السـ,ـقوط والصدمة
لم تتحمل الأم الصدمة، فوقعت مغشياً عليها من شدة الألم. أصيب أحمد بحالة من الهستيريا والجنون، وترك المال وسقط على ركبتيه بجانب أمه يصرخ ويبكي بدموع نادمة، لكن الندم لم يكن ليُصلح ما أفسده الجـ,ـشع والإدمـ,ـان.
اتصل بالجيران الذين هرعوا لنقلها إلى المستشفى. وهناك، قضت الأم أسبوعاً كاملاً في العناية المركزة، بينما كان أحمد يجلس في الزاوية المظلمة بالممر، ينظر إلى كفيه اللتين امتدتا لتسـ,ـرقا مصدر أمانه الوحيد.

الصحوة القاسية
نجت الأم بفضل الله، لكنها خرجت عاجزة عن العمل وبحاجة لرعاية مستمرة. وفي تلك اللحظة، اتخذ أحمد أخيرًا القرار الصحيح؛ لم يهرب، بل ذهب بنفسه إلى مركز إدمـ,ـان حكومي، وسلم نفسه طالباً العلاج، ووقف أمام والدته مقبلاً ليدها المرتعشة، واعداً إياها بأن يعوضها عما فات، وأن يطهر نفسه من السموم التي أكلت عقله وروحه.
صحيح أن الثقة انكـ,ـسرت، وأن إعادة البناء ستكون طويلة وصعبة، لكنه أدرك متأخراً أن الأم نعمة لا تعوض، وأن عقوقها هو طريق الهـ,ـلاك الدائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى