الليل كان ساكن، وصوت زنّافة الحفر في عيادة الدكتور “هشام” كان الصوت الوحيد اللي مالي المكان. كنت قاعدة على الكرسي الأبيض، إيدي ماسكة في يد الكرسي بقوة من كتر الوجع. الدكتور حاطط المباشر في بؤي وبيبتسم ابتسامة هادية وهو بيقولي:
— “متخافيش يا فندم، حركة بسيطة والضرس هيتظبط.. أنا خبرة 15 سنة.” بس الحركة البسيطة دي.. كانت بداية الكابوس.
💥 اللحظة اللي اتغير فيها كل حاجة
صوت “طق” مكتوم يرن جوة دماغي، ووجع حاد يضرب في نفوخي كأنه كهربا!
الدكتور إيده اترعشت، ووشه اتخطف في ثانية. نزل الأدوات بسرعة وهو بيحاول يبان طبيعي، بس المراية الصغيرة اللي في إيدي كشفت المستور: الضرس المحفور غلط، اللثة متشرطة، ومفيش أي ملمح لـ “الخبرة” اللي بيتكلم عنها! طلعت من العيادة والدموع في عيني، بس الجرح ما كانش بس في سناني.. الجرح كان في كبريائي إني سلمت نفسي لحد مهمل.
📄 المحضر.. اللعبة بقت جد
تاني يوم الصبح، بدل ما أروح شغلي، لقيت نفسي واقفة قدام أمين الشرطة في القسم.
— “عايزة أعمل محضر إهمال طبي وطالبة تحويل للطب الشرعي.” سنان وبوظي اسناني وعملت محضر
والدكتور قالي شوفي اللي يرضيكي
بلاش حكومة الخبر وصل للدكتور هشام زي الصاعقة. المحضر معناه سحب ترخيص، سمعة بتتدمّر، وقضايا ملهاش أول من آخر. 📞 المكالمة المتأخرة
الساعة كانت 11 بالليل، تلفوني يرن.. رقم غير مسجل.
رديت بصوت حاسم: “أيوة؟”
جالي صوته يرتجف، متوتر، ومفيهوش النبرة الواثقة بتاعت العيادة:
— “أنا الدكتور هشام.. يا فندم بلاش حكومة، بلاش دخلة الأقسام والنيابة.. القضايا دي بتاخد سنين ومحدش بيكسب فيها.. شوفي اللي يرضيكي وأنا هعمله فوراً، أي مبلغ تطلبيه، أي دكتور تخصص تاني أتكفل بيه بالكامل.. المهم نقفل المحضر دا!” سكتّ ثواني.. صمتاً كان أتقل من الوجع نفسه. بصيت للمراية اللي جنبي، وشوفت وشي والضمادة اللي على خدي.. وقررت أرد جملة واحدة بس هتقلب الموازين كلها…
(تفتكري ردك عليه هيكون إيه؟ هتوافقي على التعويض المالي وتسحبي المحضر، ولا هتكملي في السكة القانونية عشان تاخدي حقك وتديه درس؟) أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة خفيفة ورا الضمادة، وزقيت التلفون شوية عن ودني وأنا بفكّر.. النبرة المتوسلة دي من دكتور كان من كم يوم بيتعامل معايا بتعالي كانت كفيلة تخفف نص الوجع! رديت عليه بصوت هادي جداً بس كل حرف فيه وزنه دهب:
— “شوف يا دكتور هشام.. السنون اللي اتكسرت دي ممكن تتركب بفلوس، بس الثقة اللي اتكسرت ملهاش قطع غيار. والوجع اللي عشته مبارح ما يتقدرش برقم.”
سكت هو تماماً، وصوت أنفاسه العالية كان مالي الخط. كملت كلامي بثبات:
— “أنا مش طمعانة في فلوسك، ولا فارق معايا أعطل نفسي في قضايا.. بس أنا مش هتنازل عن المحضر إلا بشرطين اثنين.. ومش هتنازل عن حرف فيهم!” 🏛️ الشروط التي هزّت الكيان
الدكتور رد بسرعة وكأنه مسك في قشة نجاته:
— “شرط إيه؟! قولي اللي إنتي عايزاه وأنا موافق فوراً!” الشرط الأول: “هتتحمل مصاريف علاجي كاملة عند أكبر استشاري جراحة فك وأسنان أنا اللي هختاره بنفسي، وتاخدني بنفسك وتسدد الحساب قدامي وقبل أي إجراء.”
الشرط الثاني: “تعتذر لي كتابياً عن الإهمال، وتبعت تعهد رسمي بنسخة للشرطة إنك مش هتمارس أجزاء من التخصص دا تاني إلا بعد ما تدرس وتجدد ترخيصك فيها.” الصمت رجع تاني على الخط.. بس المرة دي كان صمت صدمة.
— “تعهد كتابي؟! دا كدا اعتراف رسمي يوديني في داهية!” رديت عليه ببرود:
— “دا الأمان الوحيد اللي يضمن إنك ما تعملش في مريض تاني اللي عملته فيا.. قدامك لساعة 10 الصبح، لو الورق ما كانش جاهز، النيابة هي اللي هتستلم الملف!”
⏳ اللعبة الأخيرة
قفلت السكة في وشه، وسبته يصارع الوقت بين كبريائه ومهنته اللي على وشك الانهيار.. تاني يوم، الساعة 9:55 الصبح.. كنت واقفة قدام العيادة.
باب العيادة اتفتح، وخرج الدكتور هشام ووشه أصفر ومجهد كأنه مانامش طول الليل، ماسك في إيده ظرف أبيض مقفول.. بصلي بنظرة بين الخوف والاحترام، ومد إيده بالظرف وهو بيقول:
— “كل اللي طلبتيه جاهز يا فندم.. وكل الفواتير متسددة مسبقاً في المركز الجديد.” أخدت الظرف، وبصيت فيه بتمعن، ولما تأكدت إن كل كلمة مكتوبة بحرفية، ابتسمت وقُلتله:
— “كدا نقدر نروح القسم ونقفل الصفحة دي.. بس افتكر يا دكتور.. صحة الناس مش مجال للتجارب.”
مشيت وراسي مرفوعة، أخدت حقي بالقانون والعقل، وفرضت احترامي من غير ما أضيع مستقبلي في قضايا ملهاش آخر.. ورسّخت جواه درس عمره ما هينساه!