روايات

البيت بيو.لع اليوم طويلاً وشاقاً كالعادة، لكن “أحمد” كان يبتسم وهو في طريق عودته

كان اليوم طويلاً وشاقاً كالعادة، لكن “أحمد” كان يبتسم وهو في طريق عودته إلى المنزل. يد تحمل حقيقتين صغيرتين فيهما الحلوى التي وعد بها طفليه، واليد الأخرى تضبط مقود السيارة. كل ما كان يفكر فيه هو لحظة خلع حذائه، واستقبال ضحكات أولاده، والجلوس مع زوجته “سارة” لكوب شاي هادئ بعد يوم عمل مرهق.
لكن بمجرد أن انعطف إلى شارعه، تبدد كل ذلك الهدوء.
دخان أسود كثيف كان يتصاعد ليغطي السماء، وصوت صراخ الجيران يملأ المكان. تسارعت ض.ربات قلبه، وقفزت السيارة لمسافة أقرب حتى اتضحت الرؤية… المصدر كان بيته!

أوقف السيارة في منتصف الطريق دون أن يطفئ محركها، وقفظ منها ركضاً. النيران كانت تلتهم طابقهم الثاني بالكامل، وألسنة اللهب تخرج من النوافذ كوحش غاضب.
صرخ الجيران وهم يمسكون به: “لا تدخل يا أحمد! المطافئ في الطريق!”
لكن صوت زوجته الصارخ من النافذة العل وهي تمسك بطفليهما (علي – 5 سنوات، ونور – 3 سنوات) كان كفيلاً بأن يجعل العالم كله يختفي من أمامه. لم يفكر ثانية واحدة، ولم ينتظر.
محيط البيت كان يغلي، لكنه سحب قميصه وأغرق رأسه بماء من خرطوم أحد الجيران، ثم اقتحم الباب الأمامي. رحلة بين اللهب كان الخطر في الداخل أشد مما توقع.

الدخان يحجب الرؤية تماماً، والحرارة تكاد تحرق جلده، وصوت تكسر الأخشاب يملأ المكان.
الصعود: زحف على أربع ليتفادى الدخان الكثيف، متبعاً صوت صراخ وزوجته وهتاف طفليه باسمه: “بابا! بابا!”. اكتب تم وصلي علي النبي وتابع باقي القصةتم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. رحلة في قلب السعير
كان كل إنش يتصعده على درجات السلم الحجرية كأنه يخوض معركة مع المو.ت نفسه. خشب الدرابزين يشتعل ويتحول إلى جمر ملتهب، والجدران تفرز حرارة تجعل أنفاسه تحترق داخل رئتيه. صرخ بأعلى صوته رغم الدخان الذي يسد حلقه:

“سارة! علي! نور! أنا قادم.. لا تتحركوا!” وصل أحمد إلى نهاية السلم، ليجد الرواق المؤدي لغرفة النوم وقد تحول إلى جدار من اللهب المشتعل. انهار جزء من السقف الخشبي أمامه مباشرة، لتتناثر الشظايا المشتعلة في كل مكان. لم يكن هناك وقت للتراجع؛ سحب نفساً أخيرًا من الهواء المحمل بالرماد، وغطى وجهه بذراعه، واقتحم جدار النار بقفزة انتحارية. لحظة النجاة.. أو هكذا ظنوا
داخل الغرفة، كانت سارة تحاصر طفليها في الزاوية الأبعد عن النافذة، وقد غطتهما ببطانية مبللة بماء قليل كان متبقياً في الغرفة. كان وجهها ملوثاً بالسواد ودموعها تشق طريقها بين الرماد.

عندما رأت أحمد يقتحم الباب، انخرطت في بكاء هيستيري: “أحمد! الحمد لله.. الأولاد لا يستطيعون التنفس!” لم يضيع أحمد ثانية واحدة: خطة الخروج: سحب سارة والأطفال ونزل بهم إلى مستوى الأرض حيث الهواء أقل تلوثاً بالدخان. الإنقاذ الأول: حمل “نور” ذات الثلاث سنوات على صدره، وأمسك بيد “علي”، مستغلاً قوته الأخيرة لدفع سارة أمامه باتجاه السلم الذي سلكه. تجاوزوا الرواق الملتهب بصعوبة بالغة، وفي لحظة وصولهم إلى أعلى السلم، سمعوا صوت دويٍّ هائل في الأسفل؛ لقد انهار السقف المستعار لمدخل البيت، وسد طريق الخروج الرئيسي بالكامل بأكوام من الحطب والأثاث المشتعل!

المحاصَرون في الهاوية
انقطعت أسباب الأرض، وتصاعدت صيحات الجيران من الشارع. نظر أحمد من نافذة الصالة المطلة على الشارع الخلفي، كانت النار تتصاعد من الأسفل، والقفز من هذا الارتفاع مع طفلين وزوجة يعني المو.ت المؤكد أو الإصابة بالعجز. في تلك اللحظة، تعالت أصوات سرينات سيارات الإطفاء والأسعاف في الشارع، لكن النار كانت أسرع. بدأ أكسجين الغرفة ينفد، وعلي الصغير بدأ يفقد وعيه بين يدي والده. وقف أحمد أمام النافذة، ونظر إلى الجيران في الأسفل وصصرخ بكل ما أوتي من قوة: “احضروا أي شيء! سجاد.. قماش.. سألقي بالأطفال!”

تجمع ستة من رجال الحي الأقوياء فوراً، وسحبوا بساطاً ثقيلاً من أحد البيوت المجاورة ومسكوا بأطرافه بكل قوتهم تحت النافذة مباشرة. القفزة الأولى: نظر أحمد في عيني طفلته الصغيرة “نور”، قبلها قبيلة سريعة، ثم ألقاها بدقة نحو منتصف البساط. استقر جسدها الصغير بسلام وسط هتاف ودموع الجيران. القفزة الثانية: حمل “علي” الذي كان شبه مغمى عليه، وألقاه بنفس الطريقة ليتردد صدى صراخ الطفل وهو يهوي، قبل أن يستقره البساط بأمان.

التضحية الأخيرة
تبقى أحمد وسارة. كانت النيران قد أكلت باب الغرفة بالكامل وبدأت تلامس أطراف ثيابهما. امسك أحمد بيد سارة ليجعلها تتسلق النفاذة وتسقط نحو البساط، لكن الحرارة الشديدة والدخان جعلاها تفقد توازنها وتتخشب من الخوف. دفعها أحمد بكل ما تبقى لديه من قوة حانية نحو الخارج وهو يصرخ: “اقفزي يا سارة.. أطفالنا ينتظرونك!” سقطت سارة بسلام على البساط، لكن في اللحظة نفسها التي افترقت فيها يداهما، انهار الجدار الجانبي للغرفة خلف أحمد، لتغمره ألسنة اللهب ويختفي عن أنظار الجميع خلف سحابة كثيفة من الدخان والشرار المشتعل…

ساد الصمت الشارع لثانية واحدة، حبس الجميع أنفاسهم، وصارخت سارة وهي تستغيث على الأرض: “أحمــــــــد!” وفجأة، ومن بين ركام النار والدخان المتصاعد من النافذة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى