غريبة في بيتي لم أكن أرى في نفسي سوى الرجل الكامل؛ العائل الوحيد الذي يملك زمام أموره، يقود سفينته بقبضة من حديد، ويملك وحده حق منح الغفران أو الإبعاد. بالنسبة لي، كان المال مالي، والبيت بيتي، وأهلي هم خط دفاعي الأول والأخير.
كانت زوجتي، تلك الكائن الهادئ الذي أمنته على بيتي، تعيش في ظلي. لم تكن تعمل، ولم تكن تملك حق الاعتراض. كل أسبوع، كانت مائدتي تغص بضحكات أهلي وأحاديثهم، بينما يمر طيف أهلها كالغرباء الذين لا مكان لهم في ميزانيتي؛ فالمال مالي، وأهلي أولى به من أي غريب.
كانت تزعل، ثم تبتلع غصتها وتسكت، وظننتُ أن Silence (السكوت) علامة الرضا.
لكن الكابوس الحقيقي بدأ حينما أصبحت أختي تقتحم أقدس مكان في البيت: غرفة نومنا!
كنت أراها تدلف بلا استئذان، تقلب في أغراض زوجتي الخاصة، تأخذ ما يروق لها بدم بارد، بحجة أن أخيها هو من اشترى كل هذا بماله. كنت ألمح وجه زوجتي وهو يصفرّ، وتلك الابتسامة الصفراء الميتة التي تحاول بها مداراة انكسارها، بينما أختي تتصرف وكأن البيت ملكها، يتبعه انهمار لا يتوقف من التعليقات السليطة على ملابس زوجتي، طريقة ترتيبها للبيت، وحتى طعم أكلها.
لما اختى بتيجى دايما تحب تتدخل اوضه النوم تشوف مراتى اشترت ايه وتاخد اللى يعجبها، لانها بتاخد من الحاجه الى اخوها جايبها بفلوسه؛ ومراتى بقت مابتفتحش بوقها في الموضوع ده، بس أنا بلاحظ نظرات عينيها لما أختي بتدخل الأوضة وتقلب في حاجتها، ساعات بلاقيها وشها بيصفر وبتحاول تداري ضيقها بابتسامة صفرا، وأختي ولا على بالها، بتعتبر البيت بيتها والفلوس اللي أنا بتعب فيها دي حق مكتسب ليها ولأهلها كمان.
الموضوع زاد لما أختي بدأت تطلب مني طلبات غالية، وأنا طبعاً مابرفضش لأني مش عايز أزعلها، ومراتي لما عرفت إن مصاريف البيت بدأت تتقصر بسبب طلبات أختي، حاولت تفتح معايا الموضوع بأسلوب هادي، بس أنا قفلت الموضوع فوراً وقولت لها: ده مالي وأنا حر فيه، والبيت بيمشي باللي أنا بقرره، ومش مسموح لحد يتدخل في طريقتي في إدارة بيتي. ومن ساعتها وهي بقت بتتعامل ببرود شديد، بس أنا مطنش وبقول هي فترة وهتعدي وهتتعود على طريقتي.
وفجأة لقيت أختي جاية لي البيت بشنطها، وشها مبهدل من العياط وبتقولي إنها اتخانقت مع أمي خناقة كبيرة ومش راجعة هناك تاني.
طبعاً ماقدرتش أقولها لأ، دي أختي وجت لجأت لي، وقعدت في البيت عندي كأنها هي صاحبة المكان. اكتب تم وصلي علي النبي لمتابعه القصة عليه أفضل الصلاة والسلام. تم. مرّت أيام وأختي في البيت، والوضع بيتحول من مجرد “زيارة تقيلة” لكابوس حقيقي. مراتي بقت زي الخيال، بتتحرك في البيت بجلود ميتة، ملهاش أي صوت ولا رد فعل. تصلي، تدخل المطبخ تعمل الأكل، وتقعد في أوضتها تقفل على نفسها.
وأختي؟ بقت هي الآمرة الناهية. الأكل ميعجبهوش تطلب من بره على حسابي، تصحى الظهر تطلب طلبات ملهاش آخر، ولما تزهق تدخل أوضة نومنا، تفتح الدواليب، تختار الطقم اللي يعجبها أو الشنطة اللي لسه مراتي متهنتش بيها، وتطلع بكل بساطة تقول: “أصل لونها يليق عليا أكتر، وأخويا هو اللي جايبها.” كنت شايف وعارف إن ده غلط، بس غروري وتكبُري كان عاطيني العظمة كاملة: “أنا الراجل، وده مالي، وأختي في حمايتي.” حد ما جه اليوم اللي قلب حياتي رأسًا على عقب.
يوم خميس، رجعت من الشغل بدري على غير العادة، تعبان ومصدع من السواقة والضغط. فتحت باب الشقة بالراحة عشان ما أزعجش حد. البيت كان هادي جداً، مفيش غير صوت التلفزيون العالي في الصالة، وأختي قاعدة بتتفرج وبتاكل وهي مأنتخة. أول ما شافتني، اتخضت وقامت وقفت بسرعة، وشها اصفرّ وغطت حاجة كانت في إيدها ورا ضهرها. قلت لها باستغراب: “فيه ايه يا حبيبتي؟ اتخضيتي ليه؟ ومال وشك جاب ألوان كده؟”
قالتلي وهي بتتلعثم: “لا.. ولا حاجة يا حبيبي، حمداً لله على السلامة، ماقلتش إنك جاي بدري يعني!”
الموقف مكنش مريح، بس نفضت الأفكار من دماغي وقررت أدخل أوضتي أغير هدومي وأريح. مشيت في الممر الطويل ناحية أوضة النوم، وفتحت الباب.. وهناك، شفت المشهد اللي جمد الدم في عروقي. مراتي مكنتش في الأوضة، بس الميك أب والدواليب متفتحة على آخرها، وفي نص الأوضة كانت شنطة سفر كبيرة مفتوحة. لكن المشهد الغريب والـ”مرعب” مكنش الشنطة.. المشهد كان اللي جوه الشنطة.
لقيت كل هدومي أنا، ورقي، شهادات ميلادي، عقود ملكية البيت والشركة، وكل الأوراق الشخصية الخاصة بيا، محطوطة جوه الشنطة ومتغلفة بكيس أسود كبير. وعلى التسريحة، كان فيه أظرف كتير مكتوب عليها أسماء ناس غريبة.. أظرف محشية فلوس، ومعاها دفتر شيكات أنا عمري ما شفته قبل كده، باسم مراتي! وفي لحظة، سمعت صوت قفل باب الشقة من بره بالمفتاح، وصوت قدمين بيهربوا في الطرقات. جِريت على الباب لقيته مقفول من بره! أختي اختفت!
تلفوني رن في جيبي، رقم غريب.. فتحت وأنا إيدي بترتعش وصوتي مش طالع. جاني صوت مراتي، بس مكنش الصوت الوديع الهادي اللي كنت بعاملها بيه.. كان صوت بارد، ثابت، وفي نبرة قوة تخوف: “عارف يا فلان؟ السكوت عمراً ما كان علامة الرضا.. السكوت كان مهلة عشان أعرف أدرس السفينة اللي فاكر إنك سايقها بقبضة من حديد، وأعرف هي بتغرق منين بالضبط.” قلت لها وانا بستوعب بالعافية: “إنتي فين؟ وأختي فين؟ والأوراق دي بتعمل ايه هنا؟!”
ضحكت ضحكة هادية جمدت أطرافي: “أختك؟ أختك مش جاية عندك عشان اتخانقت مع أمك.. أختك جاية بطلب مني أنا، ومقابل المبلغ اللي كانت بتطلبه منك كل شوية، كانت بتنقلي كل تحركاتك وأوراقك وبصماتك وهي في بيتك من غير ما تحس.. المال مالك، والبيت بيتك يا ابن الأصول.. بس من النهاردة، المحاسب اللي بيقود السفينة دي، بقى براها.” قفلت السكة.. ولما لفيت وشي، لقيت الورقة اللي كانت مستخبية ورا أظرف الفلوس.. وثيقة رسمية خلت ركبي تخبط في بعضها!