“أنا مش خـ,ـدامة عند أمك!”
الكلمة دي خرجت من صفا حامية، زي الطلقة اللي مالهاش رجعة، وهي خلاص طفح بيها الكيل ومعدش فيها نفس للاستحمال! صفا كانت واقفة في الساحة تحت العمارة، شايلة ابنها الصغير “ياسين” – عيل لسه مكمل سنة بالعافية – وبتعدل له المريلة للمرة الألف. الواد كان بيضحك وبيعافر بـ إيديه الصغيرة عاوز يمسك الحمام اللي ماشي على الأرض، وهي حاطة إيدها على قلبها، وبتتمشى بيه تهوي دماغه شوية من حبسة الشقة…
وفجأة… زمر التليفون في إيدها. بصت في الشاشة، لقيته “أحمد”… جوزها. ريقت ريقها، وردت بنبرة هادية بس طالع منها الشك:
ـ أيوه يا أحمد..
ـ عاملة إيه يا صفا؟
ـ الحمد لله.. خير؟
ـ بصي بقى.. أمي كلمتني، وعايزاكي تطلعي لها بكرة الصبح بدري تظبطي معاها الشقة وتساعديها في نظافة بعد التشطيب. صفا سمِرت مكانها! الرجلين اتثبتت في الأرض والدم هرب من وشها.. أحمد بيتكلم بإصرار وثقة، وكأن القرار خلاص اتأخذ واتختم، ومفيش مجال حتى للرفض أو السؤال!
سألت بصوت واطي ومكتوم:
ـ تقصد إيه بـ “تساعديها” دي بالظبط؟
ـ عادي يعني يا صفا! شوية ترتيب وتنظيف على الخفيف كده..
ـ على الخفيف؟ أختك فين؟
ـ أختي موظفة ومش فاضية وعندها شغل.. بعدين ما أنتي قاعدالي في البيت بإجازة رعاية طفل، يعني وقتك ملكك وعندك وقت بالكوم! “قاعدالي في البيت!” الكلمة دي نزلِت على قلبها زي دبة السـ,ـكينة! قاعدالي في البيت؟! هما فاكرين سهر الليالي مع عيل سنة، والغسيل، والطبيخ، والحفاضات، والمناهدة طول اليوم… ده اسمه “راحة واستجمام”؟!
بلعت غصتها بالعافية وقالت له ببرود المرار:
ـ تمام.. هاخد ياسين معايا.
ـ خديه طبعًا! أمي بتمـ,ـوت في الأطفال. قبل ما تخلف، صفا دي كانت “أسطورة” البيوتي سنتر في القاهرة.. الزباين بالاسم كانوا بيحجزوا معاها بالأسابيع عشان بس تعملهم شغلهم. وأحمد وقتها؟ كان بيمشي يتباها بيها قدام القريب والغريب ويقول: “مراتي أستاذة وست بيت وشاطرة!”
لكن من أول ما قعدت تولد وتربي ابنه؟ اتحول الفخر ده لـ “معايرة” بإنها بقيت عاطلة ومبتشتغلش!
على باب الهاوية…
تاني يوم الصبح.. أحمد نزل مصنعه عادي، وصفا حضرت شنطة ياسين: غيارات، حفاضات، البزّازة، واللعب. وشالت الواد على إيد والعربية على الإيد التانية، وطلعت بيه الدور التالت لـ شقة حماتها “أم أحمد”. وصلت للباب وهي بتلهث ونفسها مقطوع، وياسين بدأ يفرك ويعيط من كتر الخنق وقرب ميعاد نومه. خبطت خبطتين.. الباب اتفتح فورًا! خرجت حماتها وهي بتفرك إيدها:
ـ أهلاً يا صفا.. استنيتك كتير! ادخلي ادخلي.. أول ما صفا خطت جوه الشقة.. عينيها وسعت من الصدمة!
الشقة ماكنتش محتاجة “تنظيف على الخفيف”.. الشقة كان شكلها كأن إعصار ضـ,ـربها!
تراب مغطي النفس.. بقع دهان وجبس ناشفة على الأرضيات زرايب.. جرايد مرمية في كل حتة.. وبصمات العمال بالطين والمؤنة على الحيطان الجديدة! حماتها وقفت في النص فتحة دراعاتها بفخر وقالت:
ـ إيه رأيك بقى في التشطيب؟ طلع يجنن صح؟ بس الصنايعية الرماخ دول وسخوا الدنيا شوية.
ياسين صرّخ من التراب وريحة الدهان، صفا فضلت تهز فيه وهي حاسة بدوخة وبتسأل بزهول:
ـ إيه ده كله يا طنط؟ وحضرتك عايزاني أعمل إيه بالظبط؟
ردت حماتها بكل برود ودون ما يطرف لها جفن:
ـ كل حاجة يا حبيبتي! اغسلي الشبابيك بـ السلك، شيلي الدهان اللي على الأرض، نضفي الحمام ملح وخل، المطبخ يتغسل سيراميك وسقف، وامسحي الوزر والبلكونة ترابها يهد الجبال!
صفا تنحت وقالت بصوت طالع بالعافية:
ـ ونور.. أخت أحمد.. فين من ده كله؟
ـ في شغلها يا حبيبتي.. نور دي موظفة ومش فاضية للتعب ده..
وبصت لـ صفا بابتسامة صفرا وكملت:
ـ لكن أنتي.. أنتي قاعدة في البيت فاضية! جحيم المطبخ
فتحت صفا سرير الأطفال الصغير بالعافية، وحطت فيه ياسين واللعب، وحماتها سابتها وغطست جوه أوضة الصالون تقعد تحت المروحة! دخلت صفا المطبخ.. لقته “مجزرة”. سيراميك عليه جبس ناشف زي الأحجار، الحوض مسدود بـ بواقي المؤنة والأسمنت.. شمرت دراعاتها، وبدأت تحك وتدعك بضوافرها وإيدها، السلكة كانت بتتفتت في إيدها والبقع مش عايزة تتحرك!
ظهرها بدأ يتفحم من الوجع.. وكل شوية تخرج تجري تطمن على ياسين وتجلس له..
استأذنت حماتها بصوت تعبان:
ـ ينفع يا طنط أدخل سرير ياسين الصالة هنا؟ التراب جوه هيخنق صدره.
حماتها ردت من غير ما تبصلها:
ـ لأ طبعًا! هيضيق عليا السكة ويعطل الحركة.. سيبيه مكانة! ساعات ورا ساعات.. صفا شغالّة كأنها آلة، عرقها نازل يغرق وشها، ودعكت نص المطبخ بطلوع الروح. حماتها دخلت تبص بصه، وقالت بقلة صبر:
ـ هتاكلي ولا إيه؟
ـ لأ.. هكمل عشان ياسين هادي شوية.
ـ أحسن برضه! لسه قدامك الشبابيك والحمام والأرضيات مش عايزة كسل.
صفا بصت لـ إيدها اللي اتهرت، وضهرها اللي حاسة إنه اتكسر نصين، وقالت وهي بترجاها:
ـ طنط.. ما تجيبوا شركة تنظيف بعد التشطيب؟ هما معاهم أجهزة وهيخلصوا الليلة دي في ساعة! ضحكت حماتها ضحكة كريهة وقالت:
ـ أدفع فلوس ليه يا خايبة؟ ما أنتي موجودة أهو.. وبلاش.. وفاضية! الشرارة اللي ولعت الفتيل!
الكلمة دي كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. في لحظتها.. صرّخ ياسين بعلو صوته من الجوع والتعب. صفا سابت اللي في إيدها، جريت غسلت إيدها المتهرية من المنظفات وراحت تشيله وترضعه وهي بترتعش.
حماتها وقفت فوق رأسها تربع إيدها وتقول بتهكم:
ـ ما تخلصي يا صفا بلاش دلع! اليوم هيضيع ولسه قدامنا بلاوي! هو الواد تعب من دلوقتي؟ أمّال أنتوا يا أمهات اليومين دول طاقتكم رايحة فين؟! صفا ما ردتش.. بلعت إهـ,ـانتها وسكتت، وقامت كملت باقي الشغلة اللي مبتخلصش.. طلعت على السلم الصغير عشان تحك شبابيك الألوميتال، إيدها المرفوعة للسقف كانت بتمـ,ـوتها، وضهرها بقى شغال نار! وياسين صريخه زاد وبقى يمد إيده عايز أمه تشيله.. صفا نزلت تجري عليه، حضنته وهي بتعيط بالدموع وتقول له:
ـ معلش يا حبيبي.. استحمل ماما.. هانت والله هانت..
لكن “هانت” دي كانت كذبة.. الشبابيك زي ما هي، الحمام يبكي بدل الدموع طين، والأرضيات عايزه حفر! وفي وسط كل الجـ,ـحيم ده.. كانت حماتها قاعدة في الصالون، حاطة رجل على رجل، بتشرب الشاي بالنعناع، وبتقولها بمنتقى الهدوء والبرود:
ـ أول ما تخلصي الشباك ده يا صفا.. ادخلي على الحمام ادعكيه حلو، وبعدين امسحي الشقة كلها بالديتول.. يلا همتك معانا! صفا وقفت في نص الشقة.. بصت لـ إيديها المتقشرة، وبصت لـ ابنها اللي وشخ من التراب والعياط، وبصت لـ حماتها اللي بتشرب الشاي بكل أريحية…
وفجأة… كل التعب والخوف والسكوت اتحولوا لـ ثورة! صفا رميت حتة السلكة من إيدها بغل على الأرض، شالت ابنها وحطته على قلبها، وبصت لـ حماتها بعيون بتولع نـ,ـار وقالت بصوت هز أركان الشقة: ـ أنا مش خدامة عند أمك يا أحمد.. ولا خدامة عندك يا طنط! الشقة دي ليها بنتك الموظفة المترستقة تيجي تنظفها.. أما أنا؟ فـ أنا أم ومربيه فاضلة.. ومش جاية هنا عشان أتهان!”
وسابت حماتها مبلمة وريث الشاي وقف في زورها، وشالت شنطتها وابنها، ونزلت على السلم خطوة بتاخد العقل… وهي حاطة في دماغها قرار واحد: “يا أحمد.. الليلة دي يا إما هتتعدل عيشتنا.. يا إما مفيش عيشة أصلاً!”