أنا خاطب من فترة، هما ناس على قد حالهم، بس والله عمري ما شوفت إن الفقر عيب، وكنت دايمًا بقول لنفسي: “أهم حاجة الأخلاق.” كل يوم جمعة، اللي هو يوم إجازتي، كنت بروح أقعد عندهم كام ساعة.
بس عندي حاجة يمكن ناس كتير تشوفها عادية… وأنا مكنتش شايف فيها أي غلط. أنا مبحبش الكشري، ولا الأكل من غير لحمة أو فراخ، فكنت قبل ما أروح أكلم خطيبتي وأقولها نفسي في بط، أو حمام، أو فراخ مشوية، أو محشي، أو مكرونة بشاميل مع لحمة… يعني صنفين كده، مش أكتر. وكنت بقولها بدل ما تعملوا أكل أنا مش هاكله.
وهي عمرها ما قالتلي لأ.
ولا مرة قالتلي إن الطلبات دي تقيلة عليهم.
لحد آخر مرة…
اتصلت بيها وقلت لها: “اعملي ديك رومي.”
ردت وهي مكسوفة: “بصراحة إحنا عمرنا ما عملناه… شوف حاجة تانية.”
ضحكت وقلت: “ليه؟ هو إنتوا عمركوا دوقتوه أصلًا؟”
قالت: “لأ.”
طلعت مني كلمة من غير ما أفكر…
“ولا إيه… إنتوا جعانين بقى؟”
هي سكتت.
وأنا افتكرت إنها متضايقتش، فقعدت أكمل هزار وأقول: “طيب خلاص، اعملوا بط وديك بلدي.”
المكالمة خلصت عادي جدًا.
وجيت يوم الجمعة.
استقبلوني بهدوء غريب، لكن قلت يمكن تعبانين.
الأكل كان متحضر فعلًا، وأكلت وشكرتهم، وكل حاجة كانت طبيعية… أو على الأقل أنا كنت فاكر كده.
أول ما قمت أمشي…
أبوها دخل الأوضة، ورجع وهو شايل علبة الشبكة.
حطها في إيدي وقال بمنتهى البرود:
“اتفضل… خد حاجتك.”
ضحكت وقلت: “بتضحك يا حاج؟”
بصلي وقال:
“أنا عمري ما أهزر في كرامة بنتي.”
في ثانية لقيته فتح الباب، وزقني برا البيت وهو بيقول:
“ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.”
أنا اتصد2مت.
فضلت أبعت لخطيبتي عشرات الرسائل… مفيش رد.
اتصلت… رفضت.
بعدها بثواني لقيتها عاملة لي بلوك.
فضلت أقول لنفسي: معقول كل ده عشان كلمة بهزر بيها؟
أنا اعتذرت…
واعترفت إن أسلوبي كان غلط…
ومع ذلك محدش رضي يسمعني.
فضلت أسبوع كامل مش فاهم إيه اللي حصل.
لحد ما واحد من الجيران قابلني بالصدفة…
وقال لي جملة خلت الد@م يتجمد في عروقي:
“إنت لحد دلوقتي فاكر إنهم فسخوا الخطوبة بسبب كلمة (إنتوا جعانين)؟… لو تعرف الحقيقة، هتعرف إن اللي حصل يومها كان آخر نقطة بس… وإن في حاجة إنت عملتها من أول يوم، هما كانوا ساكتين عليها، ولما اكتشفوا السبب الحقيقي لطلباتك كل جمعة… قرروا يقطعوا كل حاجة بينكم من غير رجعة…”
يتبع…
حكاوي_شيمو
مين عايزة تكملها وايه رئيكم فى كلام العريس الجهات ده وموقف ابوالعروسة ؟ وقف الدم في عروقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.. “سبب حقيقي؟ أصلًا إيه السبب الحقيقي غير إني بطلب أكل بحبه؟!”
مسكت في دراع الراجل وقلت له بلهفة ورجفة في صوتي: “تقصد إيه يا حاج؟ أرجوك قولي.. سبب إيه اللي أنا عملته من أول يوم؟ والله العظيم أنا نيتي كانت صافية وماقصدتش أهينهم!” الراجل بصلي بأسف وكسرة، وهز رأسه وقال:
“يا بني.. إنت كنت فاكر إنك لما بتطلب بط وحمام وفراخ ومحشي كل جمعة، هما بيعملوا ده من بيتهم؟ ولا كنت فاكر إن الفقر معناه إنهم معندهمش كرامة؟
أبو خطيبتك راجل على قد حاله، شغال بأجره يوم بيوم.. من أول يوم دخلت فيه بيتهم وطلبت طلباتك دي، الراجل بقى يستلف من الطوب الأزرق ويبيع من عفش بيته عشان يجيب لك الأكل اللي بتطلبه! كان بيستلف عشان ما يكسرش بخاطرك ولا يحسسك إنه مقصر معاك، ولا يخلي بنته تتكسف قدام خطيبها. الناس دي كانت بتاكل عيش وجبنة طول الأسبوع، وييجوا يوم الجمعة يحطوا قدامك اللي وراهم واللي عليهم عشان يعزوك! وحضرتك بدل ما تحس، بقيت تتمادى وتطلب ديك رومي!
تعرف بقى الحقيقة اللي قطعت قلوبهم؟
يوم الجمعة الأخيرة.. قبل ما إنت تيجوا بساعة، أبو خطيبتك كان نازل يبيع تليفزيون الصالة القديم اللي عندهم عشان يعرف يشتري لك البط والديك البلدي اللي طلبتهم.. وهو نازل على السلم، سمعك بالصدفة وإنت واقف تحت البيت بتتكلم في التليفون مع صاحبك بتضحك وبتتباها وتقول له: ‘أنا رايح أظبط كرشي عند نسابي، أصلهم ناس غلابة وصدقوا إني مبحبش الكشري، فبستغلهم كل جمعة عشان أكل على حسابهم أكل ملوكي!'”
اللحظة اللي الدنيا اتسدت فيها في وشي..
أول ما الجار قال الجملة دي، حسيت كأن حد ض.ربني بمطواه في قلبي!
افتكرت المكالمة دي فعلًا.. أنا كنت بهزر مع صاحبي بمنطق “الفهلوة” و”المنظرة” الكدابة، كنت بتباها قدامه بحاجة أرخص من الرخص نفسه! الجار كمل كلامه وهو بيزق إيدي عن دراعه:
“الراجل سمعك ببدنه يا بني.. سمعك وإنت بتستغل فقرهم وبتضحك عليهم، ورغم كده طلع فوق، وباع التليفزيون، وجاب لك الأكل اللي طلبته وحطه قدامك.. وأكّلك وسقاك، ولما خلصت أكل، وراك إن ابن الأصول بيكرم ضيفه حتى لو واطي، وبعدها أداك شبكتك ورمتك بره حياتهم!”
دموعي نزلت من غير ما أحس.. حسيت إني أصغر من النملة، حسيت بقرف من نفسي ومن كل كلمة كنت بقولها. أنا مكنتش مجرد شخص لسانه فلت بكلمة “جعانين”.. أنا كنت إنسان عديم الإحساس، استغليت طيبتهم ونخوتهم وكرامتهم ودست عليها برجلي. روحت البيت وأنا مش شايف قدامي.. حاولت أروح تاني، حاولت أدخل كبار المنطقة، بس أبوها قال كلمة واحدة للناس كلها:
“اللي يبيع كرامة بنته وياكل من شرف أهلها، مالوش دية عندنا.. فلوس الشبكة والأكل اللي أكله كله رقبة في ذمتنا مش عايزين منها حاجة، بس وشه ما يلمحش منطقتنا تاني.”
خسرت البنت، وخسرت نفسي، وعرفت إن الفقر فقر النفوس والأخلاق.. مش فقر الفلوس. إيه رأيكم في الموقف؟
رأيي في العريس: ده نموذج للسطحية والفهلوة اللي بتخرب البيوت. الراجل ده مش بس جرحهم بكلمة “جعانين”، ده استغل طيبتهم وكرمهم ودس على كرامتهم بكل قسوة وعاش دور الفهلوي. رأيي في أبو العروسة: راجل بـ مية راجل! أكرمه وأكّله الأول عشان يثبت له إن بيته عمران بكرامته، وبعد كده رماه بره.. الكرامة لما تتوجع، الفلوس والأنساب كلها بتبقى تحت الجزمة.